
خبراء: الرياضيات و”هندسة البيانات” مفاتيح الشباب المغربي لولوج وظائف المستقبل

يراهن المغرب، من خلال إطلاق الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، على جعل هذا المجال رافعة أساسية للتحول الرقمي وتعزيز التنافسية الاقتصادية، مع طموح لخلق ما يقارب 50 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر خلال السنوات المقبلة.
فما هي شروط خلق فرص شغل حقيقية في مجال الذكاء الاصطناعي وما هي القطاعات المعنية به، والتكوينات اللازمة لتحقيق ذلك؟
أكدت نائبة عميد كلية العلوم ابن مسيك بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، المكلفة بالبحث العلمي سناء الفيلالي، أن الاستراتيجية الوطنية تقوم على بناء منظومة متكاملة أساسها الرأسمال البشري، والابتكار، وربط التكوين بحاجيات القطاعات الحيوية، مشيرة إلى أنها لا تقتصر فقط على إدماج التكنولوجيا.
أوضحت الفيلالي، أن خلق فرص الشغل في مجال الذكاء الاصطناعي يتطلب، في المقام الأول، تكوينا علميا متينا، خصوصا في مجالي الرياضيات والإحصاء، باعتبارهما الأساس العلمي لبناء النماذج الذكية، إضافة إلى التحكم في تقنيات التعلم الآلي والتعلم العميق، التي تُستعمل اليوم في تحليل المعطيات، ومعالجة اللغة، والرؤية الحاسوبية.
كما لم تعد هندسة البيانات، وفق الأستاذة الجامعية المختصة في الذكاء الاصطناعي، عنصرا محوريا، موضحة أن الذكاء الاصطناعي لا يشتغل دون معطيات منظمة وآمنة، وهو ما يستدعي كفاءات في قواعد البيانات، والبيانات الضخمة، ومعالجة البيانات.
إلى جانب ذلك، تبرز أهمية الحوسبة السحابية والأمن السيبراني لضمان تشغيل الأنظمة الذكية على نطاق واسع، وحماية المعطيات الحساسة، سواء في المؤسسات العمومية أو الخاصة.
وتسعى الاستراتيجية الوطنية إلى تطوير تكوينات متعددة المستويات، وفق الفيلالي، من بينها تكوينات جامعية في مجالات الذكاء الاصطناعي، وعلوم البيانات، والأنظمة الذكية، وتكوينات مهنية وتقنية قصيرة لإعداد مطوري ومحللي بيانات، إضافة إلى التكوين المستمر لفائدة الأطر والموظفين، من أجل مواكبة التحول الرقمي.
وأكدت الفيلالي أن الذكاء الاصطناعي لم يعد حكرا على المتخصصين في الإعلاميات فقط، بل أصبح أداة ضرورية لمختلف المهن والقطاعات.
تشمل القطاعات الأكثر حاجة لتوظيف الذكاء الاصطناعي بالمغرب، تقول الأستاذة الجامعية، قطاع الصحة، من خلال تحسين التشخيص الطبي وتحليل الصور الطبية، والقطاع المالي والبنكي، خاصة في مجال تدبير المخاطر ومحاربة الاحتيال، والإدارة العمومية والدفاع، لتدبير المعطيات ودعم اتخاذ القرار، والفلاحة، عبر تطوير الفلاحة الذكية وترشيد استعمال الموارد المائية، ثم السياحة، من خلال تحسين تجربة السائح والتسويق الذكي للوجهات.
بدورها، أكدت الأستاذة الباحثة في جامعة القاضي عياض بمراكش المختصة في الذكاء الاصطناعي، هاجر مصنف، أن خلق مناصب شغل حقيقية في مجال الذكاء الاصطناعي يظل مرتبطا بتحويل الاستراتيجية إلى مشاريع فعلية على أرض الواقع، معتبرة أن التشغيل لا يمكن أن يتحقق في غياب طلب حقيقي داخل السوق.
وشددت مصنف، على أن كل قطاع وكل وزارة مطالَبة بوضع خارطة طريق خاصة بها، مدعومة بميزانيات واضحة ومؤشرات دقيقة لقياس وتتبع تقدم المشاريع.
ترى مصنف أن الدولة مطالبة بلعب دور المحفز للتشغيل، ليس عبر التوظيف المباشر، وإنما من خلال إطلاق طلبات عروض سنوية، وتكوين فرق تقنية محلية، بما يسمح بنقل المعرفة واستيعاب الكفاءات المغربية داخل مشاريع عمومية تعتمد حلول الذكاء الاصطناعي.
وشددت على أهمية البحث عن محركات التشغيل، عبر تعزيز القطاعات العمومية بوسائل أكثر ذكاء، والتفكير في كيفية مكافحة الغش بشكل أوتوماتيكي، وتحسين الخدمات الموجهة للمواطنين.
وفي ما يتعلق بالمجالات التي باتت تتطلب مهارات الذكاء الاصطناعي، أوضحت مصنف أن قطاع الصحة، على سبيل المثال، يشهد ثورة في المجال، بحيث يبرز دور الذكاء الاصطناعي في تحسين التشخيص الطبي وتحليل الصور الطبية واتخاذ قرارات دقيقة وموثوقة.
أما قطاع الفلاحة، فيُعد من بين القطاعات الأكثر حاجة لحلول الذكاء الاصطناعي، خاصة في ما يتعلق بتطوير الفلاحة الذكية، وترشيد استعمال الموارد المائية، والتنبؤ بالمحاصيل في ظل التغيرات المناخية.
لمواكبة هذا التحول الذي تتجه نحوه المملكة، شددت الأستاذة الجامعية والخبيرة في الذكاء الاصطناعي على ضرورة توفير بنية تحتية مستقلة خاصة على مستوى مراكز البيانات (Data Centers)، محذرة من أن غياب هذه البنية سيجعل المغرب تابعا لجهات خارجية.
وترى أن تحقيق السيادة في مجال الذكاء الاصطناعي يمر عبر امتلاك بنية تحتية مستقلة تتيح استثمار الكفاءات الوطنية بشكل فعال.
كما أكدت على أهمية الشراكة بين القطاع الخاص وبين الكليات، للاستفادة من البحوث الجامعية في هذا المجال، لافتة إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد “معلوميات” بل هو مجال يعني جميع القطاعات، “بحيث يجب إدماجه في كافة التخصصات التعليمية لكي يكون للطالب إلمام بكيفية تطوير مجال عمله داخل هذا التخصص عبر الذكاء الاصطناعي”.
مشاهدة المزيد ←







