
الدكتور بنطلحة يكتب: كيف نربح رهان السردية؟

د. محمد بنطلحة الدكالي – مدير المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء
عندما تستضيف الدول تظاهرات رياضية كبرى، أو تنجز مشاريع تحول اقتصادي وبنيوي، فإن نجاح هذه المبادرات لا يقاس فقط بجودتها التقنية أو بحجم الاستثمارات المرصودة لها، بل بقدرتها على أن تندرج داخل قصة مفهومة لدى الداخل والخارج.
لقد أظهرت تجارب متعددة أن التظاهرات العالمية الكبرى، والمبادرات التاريخية الفاصلة، لم تستمد قوتها من حجمها المادي فقط، بل من القصة التي رافقتها وصاغت معناها بوصفها تحولا دالا داخل مسار أوسع.
في عالم يتسارع فيه الخبر إلى درجة تفوق قدرة الناس على الاستيعاب، لم يعد التأثير مرتبطا فقط بحجم ما ينجز، بل بقدرة الفاعل على تفسير ما ينجز، إذ تتكاثر الأحداث اليوم بسرعة، لكنها لا تترسخ في الذاكرة الجماعية إلا إذا وجدت قصة تحتويها، وسياقا يربطها بغيرها، ومعنى يجعلها قابلة للفهم والاستمرار.
هنا تبرز السردية، لا باعتبارها حكاية تروى، بل بوصفها إطارا لتحويل الوقائع إلى معنى، أي عملية تنظيم دلالي للأحداث (Narrative Construction) وتوجيه لإدراكها داخل الوعي الجماعي (Perception Framing).
تبرز أهمية السردية بشكل خاص عند التعامل مع التحديات والأحداث الكبرى، التي تشكل لحظات مكثفة من حيث الدلالة الرمزية. هذه اللحظات لا تكتسب معناها من حجمها أو من صداها الإعلامي، بل من موقعها داخل قصة أوسع.
السردية هي التي تحدد ما إذا كان الحدث سيتحول إلى محطة دالة ضمن مسار ممتد، أم سيظل مجرد واقعة آنية قابلة للاستهلاك السريع.
في السياق المغربي، تبرز هذه الأهمية بوضوح من خلال تجربة تنظيم كأس إفريقيا لكرة القدم ببلادنا مؤخرا، والتي شكلت محطة تنظيمية ناجحة بكل المقاييس، عكست قدرة عالية على التدبير والاحترافية، لكنها لم تواكب بقوة سردية قادرة على تأطير هذا النجاح وقراءته داخل مسار أوسع، خاصة في سياق إقليمي وإعلامي اتسم بقدر كبير من العدوانية وسوء التأويل.
وهو ما يجعل من هذه التجربة فرصة مهمة لاستخلاص الدروس، وتطوير الأداء السردي، استعدادا للمحطة المقبلة حين تنظيم كأس العالم 2030 ببلادنا. هذا الحدث لا يمثل مجرد تظاهرة رياضية، بل لحظة سردية بامتياز، إذ ينبغي أن يدرج ضمن قصة طويلة عن مسار تنموي متدرج، واستثمار في البنية التحتية، وتعزيز للتموقع الإقليمي، وبناء صورة بلد قادر على تنظيم تظاهرات كبرى بثقة واستمرارية، عوض أن يختزل في حدث احتفالي ظرفي ينتهي بانتهاء المنافسات.
إن السردية، في معناها التحليلي الدقيق، لا تتعلق بسرد الوقائع كما هي، بل بكيفية بنائها داخل قصة كبرى تمنحها الاتساق والاتجاه، وهي بذلك تشتغل بوصفها آلية لصناعة المعنى (Meaning-Making) وبنية تفسيرية تسمح بفهم ما يحدث ولماذا يحدث، وكيف ينبغي إدراجه ضمن مسار أوسع. من هذا المنظور، لا تكون السردية مجرد خطاب، بل إطارا معرفيا ينظم العلاقة بين الفعل وتأويله، وبين الحدث وتمثله الرمزي عبر الزمن.
بهذا المعنى، أصبحت السردية مكونا مركزيا في مقاربات القوة الناعمة (Soft Power)، لا بوصفها أداة خطابية مستقلة، ولا كبديل عن الفعل السياسي أو الاقتصادي، بل باعتبارها الإطار الذي يمنح هذا الفعل قابلية للفهم داخل الفضاء العمومي.
السردية لا تصنع الوقائع ولا تضخمها، وإنما تنظم معناها وتؤطر إدراكها. من هنا تنبع أهميتها، لا لأنها الأعلى صوتا، بل لأنها الأقدر على البقاء، وعلى توجيه القراءة الجماعية للأحداث عبر الزمن.
في بعدها السياسي والثقافي، تفهم السردية باعتبارها بنية تفسيرية (Interpretive Framework) تسمح للجمهور بفهم ما يحدث ولماذا يحدث، وكيف ينبغي إدراجه ضمن مسار أوسع.
فهي لا تقدم وقائع معزولة، بل تبني منطق ربط بينها، وتحدد ما يبدو منسجما أو شاذا، متوقعا أو استثنائيا. ولهذا تختلف السردية جذريا عن التواصل (Communication) الذي يهدف إلى نقل رسالة محددة، وعن الصورة (Image) التي تنتج انطباعا لحظيا وسريعا.
السردية تشتغل على مستوى أعمق، وتسعى إلى بناء إدراك طويل المدى يقوم على التراكم والاستمرارية لا على الأثر الفوري.
ضمن هذا المنطق، تؤدي السردية دور الوسيط بين الفعل وتمثله الرمزي، فالفعل مهما بلغت جودته، لا يكتسب معناه تلقائيا، بل يقرأ داخل قصص وسياقات وإطارات تفسيرية.
هنا تتجلى وظيفة السردية في خلق الاتساق بين ما ينجز وما يفهم، وفي ربط اللحظي بالبنيوي، والجزئي بالكلي.
غير أن السردية، إذا تركت دون هندسة واعية، تصبح هشة وقابلة للاختراق. أول مظاهر هذا الضعف يتمثل في الارتهان للحظة، أي إنتاج سرديات ظرفية دون امتداد زمني، ما يمنع تشكل تراكم سردي (Narrative Accumulation).
وثانيها الخلط بين السرد والترويج، حيث يتحول تنظيم المعنى إلى عملية تلميع، فتفقد السردية عنصر المصداقية. وثالثها الانغلاق الثقافي واللغوي، حين تنتج السردية داخل أفق واحد، وتفترض قابليتها للفهم خارجيا دون تكييف أو إعادة بناء.
في هذا السياق، يطرح دور المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي إشكالا دقيقا داخل رهان بناء السردية.
فالمؤثرون يشتغلون أساسا ضمن منطق اقتصاد الانتباه (Attention Economy)، حيث تكمن قوتهم في توسيع دائرة الوصول، وتسريع تداول المحتوى (Virality)، وخلق لحظات تفاعل عالية الكثافة.
وبهذا المعنى، يساهمون في نقل السرد أكثر مما يشاركون في بنائه، إذ يضخمون رسالة قائمة دون أن يصوغوا إطارها التفسيري (Interpretive Frame).
ورغم فائدتهم من حيث الانتشار، يظل أثرهم محدودا بسبب قصر العمر الزمني للمحتوى، وهشاشة المصداقية المرتبطة أحيانا بالشهرة أو الإشهار، إضافة إلى الارتهان للخوارزميات التي تجعل النجاح ظرفيا وغير قابل لبناء إدراك طويل المدى.
ولا يصبح دور المؤثرين إيجابيا إلا عندما يندمج ضمن هندسة سردية أوسع (Narrative Architecture)، حيث لا يطلب منهم المدح أو الترويج، بل سرد التجربة، والعمل داخل منظومة متناسقة، واستعمالهم كوسائط لتكبير السرد (Narrative Amplifiers) لا كمنتجين للمعنى.
وفي حالات نادرة، قد يتحول بعضهم إلى رواة (Narrators) إذا امتلكوا عمقا معرفيا، واستقلالية في الموقف، وقدرة على الاستمرارية، غير أن ذلك يظل استثناء لا قاعدة.
في المقابل، يمكن للمؤثرين أن يتحولوا إلى عامل إضعاف حقيقي للسردية حين يشتغلون خارج أي إطار تفسيري منظم، لأن السعي إلى الضجيج الرقمي” البوز” ، أو إلى السخرية، أو إلى تضخيم الوقائع الهامشية بحثا عن الإثارة، يؤدي إلى اختزال قضايا معقدة في صور سطحية قابلة للاستهلاك السريع. في هذه الحالة، لا تتعرض السردية للتشويه من الخارج فقط، بل للتآكل من الداخل، حيث يستبدل تنظيم المعنى بمنطق التهكم، ويكسر الاتساق التفسيري (Narrative Coherence) الضروري لبناء إدراك متماسك.
كما يسهم بعض المؤثرين، أحيانا دون وعي، في ترويج سرديات عدائية أو فرض قراءاتهم الخاصة بدافع التميز والاعتراف الرقمي، مما يخلق تشويشا في الإطار المرجعي العام ويضعف التراكم السردي.
إن تطوير الأداء السردي يقتضي الانتقال من الارتجال إلى المنهج، وبناء أطر تفسيرية مسبقة، والعمل بمنطق التراكم لا القطيعة، كما يتطلب قدرة مستمرة على التكييف دون التفريط في الاتساق العام، لأن السردية الجامدة تفقد قدرتها على التفاعل مع الواقع، بينما السردية المتقلبة تفقد هويتها.
في المحصلة، لا تشكل السردية بديلا عن الفعل، لكنها الشرط الذي يمنح الفعل معناه وقابليته للاستمرار. في زمن تتكاثر فيه الأحداث وتتسارع، يصبح تنظيم المعنى مسألة استراتيجية.
فالسردية القوية لا تقوم على الضجيج ولا على المبالغة، بل على الوضوح، والتراكم، والقدرة على تفسير الذات بهدوء. ومن ينجح في بناء هذا النوع من السرد، لا يفرض روايته على الآخرين، بل يجعلها الإطار الطبيعي الذي يقرأ الواقع من خلاله.
ولا يقتصر رهان السردية على مواكبة التظاهرات أو إبراز الإنجازات، بل يمتد إلى مستوى التموقع الجيوسياسي ضمن منطق القوة الناعمة.
فالدول لا تقاس فقط بما تنجزه، بل أيضا بالقصص التي تؤطر حضورها وتحدد موقعها الرمزي في العالم. وفي هذا المستوى، تصبح السردية أداة استراتيجية لترسيخ النفوذ وبناء الثقة على المدى الطويل.
مشاهدة المزيد ←






