
الدكتور بنطلحة يكتب: مفارقة باباوية في المشهد الجزائري تعتدي على المقدس لخدمة السياسي

د. محمد بنطلحة الدكالي – مدير المركز الوطني للدراسات والابحاث حول الصحراء
يروي إنجيل متى مشهدا مليئا بالعبر، حين دخل يسوع المسيح إلى هيكل أورشليم، فوجد الباعة والصيارفة قد اتخذوا من المكان، الذي يفترض أن يكون بيتا للصلاة، فضاء لتبادل المنافع والمتاجرة، فطردهم وقلب موائدهم، وقال عبارته الشهيرة: «مكتوب: بيتي بيت الصلاة يُدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص».
يذكرنا هذا المشهد بما جرى خلال زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر مؤخرا، وهي زيارة جاءت في إطار رسولي واضح، حاملة خطابا يقوم على السلام والحوار والتعايش، ومشحونة أيضا بدلالة خاصة تتمثل في استحضار إرث أوغسطينوس في عنابة، هيبون القديمة، ذلك الذي شكّل أحد أعمدة الفكر المسيحي، وجعل من البحث عن الحقيقة وتمييزها عن المظهر أساسا في فهم العالم.
في هذا السياق بالذات، برزت تلك اللقطة التي تسللت إلى قلب الاستقبال الرسمي، حين أُقحم ممثل البوليساريو ضمن صف المستقبلين، في موقع لا يستقيم مع طبيعة المناسبة ولا مع روحها، لا بوصفه طرفا معترفا به، ولا باعتباره واقعا قائما، بل كشيء دُفع إلى الواجهة دفعا، وكأن اليد التي أخرجته إلى المشهد كانت تراهن على أن مجرد ظهوره في هذا المقام كفيل بأن يمنحه ما لا يملكه، وأن القرب من لحظة ذات حمولة روحية يمكن أن يلبسه وهمُها ثوب الحقيقة.
وهنا تتكشف مفارقتان لا تخطئهما العين: مفارقة أولى بين زيارة تُفترض فيها معاني السلام والتقارب، وإقحام كيان يقوم في جوهره على زرع الفتنة ودعم الانفصال، ومفارقة ثانية أكثر حدة تتعلق بصورة بلد يسعى إلى تقديم نفسه قادرا على احتضان الأحداث الكبرى واستقبال الشخصيات العالمية في أجواء من الاستقرار والأمن، بينما يتزامن ذلك مع واقع مختلف، إذ شهدت البليدة، القريبة من العاصمة، تفجيرين انتحاريين استهدفا موقعا أمنيا، وأسفرا عن إصابة عدد من الأشخاص ومقتل المنفذين، في مشهد يعيد التذكير بأن العنف ليس طارئا على هذا الواقع، بل حاضر فيه، حتى وهو مغطى بستار البروتوكول.
إن ما جرى في تلك اللحظة لا يمكن قراءته بوصفه تفصيلا عابرا في ترتيب المراسم، بل باعتباره تعبيرا عن إرادة مستمرة في إدخال هذا الكيان إلى كل مشهد ذي حمولة رمزية، وكأن تكرار الظهور يمكن أن يعوض غياب الاعتراف.
وهذا الأسلوب ليس جديدا، فقد ظهرت سنة 2018 صور للبابا فرانسيس مع أطفال من مخيمات تندوف في سياق إنساني، غير أن تلك الصور جرى توظيفها خارج معناها، فكان رد الفاتيكان صريحا بأن موقفه من قضية الصحراء لم يتغير، مع رفض أي استعمال سياسي لتلك الصور.
غير أن ما حدث يوحي بأن النظام الجزائري لم يستوعب الدرس، وأن إصراره على إعادة المشهد لا يزال قائما، وهنا تبرز دلالة فكر أوغسطينوس، الذي ميّز بين “مدينة الله”، القائمة على الحق والسمو، و”المدينة الأرضية”، التي تحكمها المصالح والأهواء، حيث يمكن للمدينتين أن تتجاورا، لكن لا يمكن لإحداهما أن تتحول إلى الأخرى بمجرد الصورة أو الادعاء.
وفي ضوء هذا التمييز، يبدو المشهد بأكمله وكأنه محاولة لخلط المدينتين، لتمرير ما هو مصنوع في صورة ما هو قائم، ولإلباس ما هو هش هيئة ما هو راسخ، غير أن هذه المحاولات، مهما تكررت، تصطدم بحد لا يمكن تجاوزه.
فالنظام الجزائري الذي صنع هذه الدمية، وأعاد تقديمها في كل مشهد، بدا وكأنه يسعى إلى أن ينفخ فيها الروح لتحدث المعجزة، وكأنه يستدعي لحظة تحول تشبه تلك التي طلب فيها من المسيح أن يحوّل الحجارة خبزا، فرفض ذلك الإغراء، لأن المعجزة لا تُستدعى لتزييف الواقع، ولا تُطلب لإثبات ما ليس قائما.
فلا الحجر صار خبزا، ولا الصورة صارت واقعا، ولا الكيان المعلّق صار دولة.
المعجزة لم تحدث، ولن تحدث أبدا.
مشاهدة المزيد ←







