
التشخيص الذاتي.. عندما يقود البحث عن الأعراض إلى مخاطر صحية

في زمن الوصول السريع إلى المعلومة، أصبح كثير من الأشخاص يلجؤون إلى محركات البحث أو مواقع التواصل الاجتماعي، أو تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لتفسير الأعراض الصحية التي يشعرون بها، وهو ما يعرف بـ“التشخيص الذاتي”، ما يثير مخاوف متزايدة لدى الأطباء والخبراء بسبب ما قد تحمله من مخاطر صحية، خاصة عندما يقود إلى تناول أدوية غير مناسبة أو تأخير التشخيص الطبي.
ويرى أخصائي الأمراض المعدية والطب الوقائي، جعفر هيكل، أن هذه الظاهرة تفاقمت في السنوات الأخيرة مع الانتشار الواسع للمعلومات الطبية على الإنترنت. وأوضح هيكل، في تصريح صحفي، أن الأمر بدأ منذ سنوات مع تفضيل بعض المرضى التوجه مباشرة إلى الصيدلية للحصول على أدوية دون استشارة الطبيب، وهو ما قد يعرضهم لآثار جانبية غير متوقعة أو إلى تراجع فعالية العلاج.
وأفاد أن التشخيص الذاتي يرتبط بشكل واضح مع أمراض الجهاز التنفسي، إذ كثيرا ما يربط بعض الأشخاص أعراض الزكام أو السعال مباشرة بعدوى بكتيرية ويعمدون إلى تناول المضادات الحيوية دون وصفة طبية، رغم أن نحو 80 في المائة من أمراض الجهاز التنفسي والأنف والأذن والحنجرة تكون فيروسية ولا تحتاج إلى هذا النوع من الأدوية، مشددا أنه يساهم في خلق مشكلة متزايدة تتمثل في مقاومة المضادات الحيوية وفقدان فعاليتها مستقبلا.
وتظهر الممارسات نفسها أيضا في أمراض الجهاز الهضمي، حيث قد يعمد البعض إلى تناول أدوية مرتبطة بجرثومة المعدة أو القولون العصبي بمجرد ظهور أعراض مثل آلام البطن أو الإسهال، دون إجراء الفحوصات اللازمة التي قد تكشف أن السبب يعود إلى فيروس أو تسمم غذائي أو اضطرابات أخرى.
وأضاف أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت في كثير من الأحيان تؤدي دورا يشبه “المرجع الطبي” بالنسبة لبعض الأشخاص، رغم غياب الضوابط العلمية، قائلا:” إن العديد من المرضى، خصوصا ممن يعانون من فيروسات أو جراثيم أو أعراض مزمنة، يلجؤون إلى البحث عن الأعراض عبر الإنترنت لمحاولة تشخيص حالتهم الصحية بأنفسهم، ثم يتناولون أدوية بناء على ما يجدونه من معلومات”.
كما حذر من أن الاعتماد على المعلومات المنتشرة على مواقع التواصل قد يؤدي إلى تأخير التشخيص الحقيقي، ما يجعل المرض يصل في بعض الحالات إلى مراحل أكثر تعقيدا تتطلب فحوصات أطول وعلاجات أكثر تعقيدا، مشيرا إلى أن حوالي 62 في المائة من المغاربة يلجؤون إلى التطبيب الذاتي عبر استهلاك أدوية دون استشارة طبية.
وفي السياق ذاته، أكد الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، الطيب حمضي، أن التشخيص الذاتي الذي يقود في الغالب إلى التداوي الذاتي يقوم أساسا على تجارب سابقة عاشها الشخص نفسه أو أحد أقاربه مع الأعراض ذاتها.
وأضاف حمضي، في تصريح صحفي، أن هذا الأسلوب يختلف جذريا عن التشخيص الطبي، الذي يقوم على تحليل الأعراض في سياق الحالة الصحية للمريض، والاستناد إلى خبرة الطبيب ومعرفته العلمية، إضافة إلى الاستعانة بالفحوصات والتحاليل الطبية، مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف المناخية والاجتماعية للمنطقة التي يعيش فيها المريض.
ويرى المتحدث أن انتشار هذه الظاهرة يرتبط أيضا بكون الوصول إلى المعلومات الصحية أصبح أسهل من أي وقت مضى، في حين يعتبر كثير من المرضى أن اللجوء إلى الوسائل التقليدية مثل البحث عبر الإنترنت أو سؤال المحيط الاجتماعي أسرع وأقل تكلفة من الاستشارة الطبية.
كما أن بعض مرضى الأمراض المزمنة قد يلجؤون إلى البحث عن أدوية بديلة أملا في الحصول على علاج أسرع.
وأشار حمضي إلى أن نسبة مهمة من الأمراض التي تعرف تشخيصا ذاتيا تتعلق بالصحة النفسية، مثل الاكتئاب والقلق، إضافة إلى الأمراض الجلدية وأمراض الجهازين الهضمي والتنفسـي.
غير أن المشكلة تكمن في انتشار معلومات غير دقيقة على الإنترنت، إذ تشير معطيات إلى أن 56 في المائة من المعلومات المتداولة حول الصحة النفسية على الإنترنت غير صحيحة، بينما يتابع 54 في المائة من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي معلومات صحية خاطئة.
وأضاف أن 27 في المائة من الأشخاص يعانون من القلق نتيجة التشخيص الذاتي، حيث يؤدي البحث المستمر عن الأعراض إلى تضخيمها أو إلى ما يشبه القلق المرضي المرتبط بالصحة، كما قد يستمر بعض الأشخاص في علاج أمراض غير موجودة أصلا، أو يتأخرون في طلب العلاج المناسب لحالات مرضية حقيقية.
وفي السياق ذاته، أكد سعيد عفيف، رئيس الجمعية المغربية للعلوم الطبية، أن التشخيص الذاتي غالبا ما يقوم على اعتقاد لدى بعض المرضى بأنه يوفر الوقت والمال، غير أن هذا التصور قد يؤدي إلى نتائج عكسية، كما أن المعطيات المتوفرة لا يمكن أن تعوض التشخيص الطبي القائم على الخبرة والفحص السريري.
وأوضح عفيف، في تصريحه، أن تكوين الطبيب يتطلب ما بين سبع وتسع سنوات من الدراسة، وقد يصل إلى ما بين اثنتي عشرة وثلاث عشرة سنة بالنسبة للتخصصات الطبية، ما يجعل من الصعب تعويض هذه الخبرة العلمية والعملية عبر بحث سريع على الإنترنت.
وأضاف أن التشخيص الطبي لا يقوم فقط على ملاحظة الأعراض، بل يمر عبر مراحل متعددة تشمل الفحص السريري والتحاليل الطبية والفحوصات المتخصصة، قبل تحديد العلاج المناسب.
وأشار عفيف إلى أن مخاطر التشخيص الذاتي تتضاعف عندما يكون الشخص مصابا بأمراض مزمنة أو يتابع علاجا طبيا، إذ قد يؤدي تناول أدوية عشوائية إلى تفاقم الحالة الصحية أو إلى مضاعفات خطيرة مثل القصور الكلوي.
كما شدد المتحدث ذاته على أن بعض الفئات تبقى أكثر عرضة للمضاعفات، خاصة الرضع والأطفال وكبار السن، وهي مراحل عمرية تتطلب استشارة طبية حتى في حال ظهور أعراض تبدو بسيطة.
ويربط أن انتشار هذه الظاهرة يرتبط بعدة عوامل، من بينها ارتفاع تكاليف العلاج لدى بعض الأسر، وصعوبة الحصول على مواعيد طبية في بعض الأحيان، إضافة إلى انتشار المعلومات الصحية غير الدقيقة على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، كما يساهم ضعف التواصل بين بعض المرضى والأطباء، وتجارب علاجية غير مرضية لدى بعض الأشخاص، في تراجع الثقة في الاستشارة الطبية لدى فئة من المرضى.
ويرى الخبراء أن الحل لا يكمن فقط في التحذير من مخاطر التشخيص الذاتي، بل أيضا في تعزيز الوعي الصحي لدى المواطنين وتسهيل الولوج إلى الخدمات الصحية. وفي هذا السياق، يدعو مختصون إلى تكثيف حملات التوعية حول مخاطر التداوي الذاتي وأهمية التشخيص المبكر، إلى جانب تسريع تعميم التغطية الصحية وتحسين الوصول إلى الخدمات الطبية.
مشاهدة المزيد ←







