
أغاني مغربية تدخل عصر الذكاء الاصطناعي وسط جدل متصاعد حول حدود إعادة الإنتاج

في خضم الثورة الإيقاعية واللحنية التي تشهدها الموسيقى المغربية خلال السنوات الأخيرة الماضية، وبالتزامن مع الطفرة التكنولوجية التي أعادت تشكيل ملامح مختلف المجالات، يتصاعد الجدل حول أحقية إعادة إنتاج الأغاني المغربية باستعمال أدوات الذكاء الاصطناعي، ثم نشرها على منصات التواصل الاجتماعي وتحقيق عائدات مالية منها، ما فتح باب النقاش على مصراعيه بشأن حدود استغلال هذه الأعمال وحقوق أصحابها الأصليين.
عرفت الساحة الفنية المغربية، على امتداد عقود طويلة، أعمالا موسيقية خالدة ارتبطت بأسماء بارزة، حملت في مضامينها مواضيع متنوعة تراوحت بين الحب والحنين والفرح، واستطاعت أن تحقق انتشارا واسعا داخل المغرب وخارجه، قبل أن تعود خلال الفترة الأخيرة بصيغ جديدة أعيد توزيعها أو تعديل ألحانها وأنماط عزفها باستعمال أدوات الذكاء الاصطناعي.
أثارت هذه النسخ المعاد إنتاجها جدلا واسعا بين من يعتبرها مساهمة في إعادة إحياء التراث الموسيقي المغربي وتقريبه من الأجيال الجديدة، وبين من يرى فيها استغلالا لأعمال فنية أصلية دون احترام واضح للحقوق الأدبية والمادية لأصحابها.
وساهمت خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي خاصة “يوتيوب” و”تيك توك”، في تسريع انتشار هذا النوع من المحتوى الموسيقي، بعدما أصبحت الأغاني المعاد إنتاجها تحقق نسب مشاهدة مرتفعة في ظرف زمني قصير، مستفيدة من الحنين الجماعي للأغاني القديمة والإقبال المتزايد على المحتوى المرتبط بالذكريات والتراث الفني المغربي.
وحققت مجموعة من الأغاني المغربية المعاد إنتاجها نسب مشاهدة مرتفعة على منصة “يوتيوب”، من بينها أغنية “خوي” للفنانة لطيفة رأفت، التي تجاوزت مليون و700 ألف مشاهدة منذ إعادة نشرها منتصف دجنبر الماضي، إضافة إلى أغنية “واخا” للفنانة نجاة عتابو، التي اقتربت من تجاوز عتبة مليون مشاهدة بعد نشر نسختها الجديدة خلال شهر مارس الماضي.
كما تجاوزت النسخة المعاد إنتاجها من أغنية “هاد الأرض” للفنان نعمان لحلو حاجز 500 ألف مشاهدة منذ طرحها في أكتوبر 2025، في مؤشر يعكس الإقبال المتزايد على هذا النوع من المحتوى الموسيقي الرقمي.
وأعاد هذا الانتشار الرقمي النقاش حول الإطار القانوني المنظم لاستعمال الذكاء الاصطناعي في المجال الفني، خاصة في ما يتعلق بإعادة توظيف أغان قائمة وتحقق أرباح مالية منها دون توضيح طبيعة التراخيص أو حقوق الاستغلال المعتمدة.
وفي هذا السياق، أوضحت دلال العلوي مديرة المكتب المغربي لحقوق المؤلف أن المؤسسة لا تتدخل بشكل مباشر في المحتويات المعاد إنتاجها بالذكاء الاصطناعي، معتبرة أن الأمر يرتبط أساساً بأصحاب الأعمال الفنية، الذين يملكون حق الاعتراض أو المطالبة بحذف المحتوى.
وأضافت المتحدثة ذاتها أن استعمال الذكاء الاصطناعي في المجال الفني ما يزال يثير نقاشاً قانونياً على المستوى الدولي، خاصة في ما يتعلق بحدود اعتبار هذه الأعمال “إبداعاً جديداً” أو مجرد إعادة توظيف لأعمال محمية بحقوق المؤلف.
كما أشارت المتحدثة ذاتها إلى أن عددا من المنصات الموسيقية العالمية المتخصصة باتت تفرض قيودا صارمة على نشر الأعمال المنجزة أو المعدلة بواسطة الذكاء الاصطناعي، في إطار حماية حقوق الفنانين والمنتجين الأصليين، بينما تواصل منصات أخرى، من بينها “يوتيوب”، السماح بنشر هذا النوع من المحتوى وفق سياسات تختلف من منصة إلى أخرى.
بعيدا عن منطق الربح والخسارة وحيثيات الإطار القانوني، ترى فئة واسعة أن التعديلات التي طالت عددا من الأغاني المغربية الكلاسيكية خلال السنوات الأخيرة، والتي اعتمدت بشكل متزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحسين الصوت أو تعديل الإيقاع مع الحفاظ على الهوية الأصلية، ساهمت بشكل ملموس في إحياء هذه الأعمال الفنية التي تشكل جزءا أساسيا من الذاكرة الموسيقية المغربية.
كما يعتبر مؤيدو هذا التوجه أن هذه الأدوات التكنولوجية الجديدة تمثل فرصة مهمة في السياق الحالي لإعادة تقديم التراث الغنائي المغربي إلى الواجهة، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، مستفيدة من إمكانيات تقنية متطورة تتيح إعادة توزيع الأعمال وإبرازها بجودة حديثة تمنحها زخما إضافيا وانتشارا أوسع.
ويرى أصحاب هذا الرأي أيضا أنه، بعيدا عن اعتبارات الأرباح التي تحققها بعض القنوات على منصات التواصل، وعن النقاشات المرتبطة بالحقوق القانونية، فإن الهدف الأساسي يظل ذا طابع ثقافي بالدرجة الأولى، يتمثل في إعادة الاعتبار لهذه الأعمال المغربية وإعادة ربط الجمهور بها في حلّة فنية جديدة أكثر قربا من المتلقي المعاصر.
مشاهدة المزيد ←







