حين تصبح ذاكرة الرئيس أداة في استراتيجية الدولة.. المغرب وقراءة الشفرة الترامبية

حين تصبح ذاكرة الرئيس أداة في استراتيجية الدولة.. المغرب وقراءة الشفرة الترامبية

الدكتور توفيق عطيفي – أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والسياسية بقلعة السراغنة

في واشنطن، لا تكفي معرفة ما تريده الولايات المتحدة؛ ينبغي أحيانا معرفة ما يريده الرئيس لنفسه.

وهذه ليست ملاحظة عابرة في علم النفس السياسي، بل قاعدة من قواعد فن الدولة حين تصبح شخصية القائد جزءا مؤثرا في بنية القرار، وحين تتداخل المصلحة الوطنية مع تصور الرئيس لمكانته في التاريخ.

فالدبلوماسية لا تفاوض الدول والمؤسسات وحدها، وإنما تفاوض أيضا إدراكات القادة، وطموحاتهم، ومخاوفهم، وصورتهم عن أنفسهم، وما يريدون أن يتركوه خلفهم بعد مغادرة السلطة.

من هنا تكتسب تدوينة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أهميتها السياسية.

فهي لا تثبت، في غياب إعلان صادر عن الديوان الملكي أو الحكومة المغربية أو أي مؤسسة رسمية، أن الطريق الرابط بين تزنيت والداخلة قد حمل اسمه فعلا، لكنها تفتح، إن صحت نسبتها إليه، نافذة على مسألة أكثر عمقا: احتمال أن تكون الدبلوماسية المغربية قد اختارت مخاطبة الرئيس الأمريكي باللغة التي يدرك قيمتها أكثر من غيرها، وهي لغة الإنجاز والإرث والاعتراف التاريخي.

لا ينبغي، تبعا لذلك، التعامل مع التدوينة باعتبارها خبرا رسميا أو قرارا مكتمل الأركان، كما لا ينبغي تحميلها أكثر مما تحتمل من دلالات قطعية.

غير أن التحليل السياسي لا يقتصر على الوقائع المنجزة؛ فهو يشتغل أيضا على الإشارات، والرموز، وأنماط الخطاب، وما يمكن أن تكشفه من تصورات كامنة لدى صناع القرار.

ولذلك فإن القيمة التحليلية للتدوينة لا تكمن فقط في صحة واقعة التسمية، وإنما في طبيعة الرسالة التي تحملها، وفي الكيفية التي تلقاها بها ترامب، وفي استعداده العلني لربط اسمه بمشروع استراتيجي يمتد نحو الأقاليم الجنوبية للمملكة.

السياسة، وفق التقليد الواقعي، هي إدارة للمصلحة الوطنية داخل عالم تحكمه القوة والمنافسة وتفاوت القدرات. لكنها لا تمارس دائما بالدبابات والعقوبات والاتفاقيات الصريحة.

فالدولة الذكية تدرك أن القوة قد تكون مادية، وقد تكون مؤسساتية، وقد تكون أيضا رمزية وإدراكية. وقد لا يكون أخطر أدوات الدبلوماسية ذلك الذي يوضع ظاهرا على طاولة التفاوض؛ فقد تكون الأداة اسما، أو صورة، أو دعوة، أو طريقا يربط طموح رجل بمصلحة دولة.

ومع ذلك، فإن تفسير هذه الواقعة الافتراضية لا يستقيم بالاستناد إلى الواقعية البنيوية وحدها؛ لأن هذه الأخيرة، كما صاغها كينيث والتز، تميل إلى تفسير السلوك الدولي من خلال بنية النظام وتوزيع القدرات أكثر مما تفسره بسمات القادة. والأقرب إلى موضوعنا هو الجمع بين الواقعية الكلاسيكية، وتحليل السياسة الخارجية، وعلم النفس السياسي، ولا سيما الأدبيات التي أبرزت أثر الإدراك وسوء الإدراك والخصائص القيادية في صناعة القرار.

فالدول تتصرف داخل بنى دولية ضاغطة، لكنها تفعل ذلك بواسطة أشخاص يقرأون الواقع، ويعيدون تأويله، ويتخذون القرار بناء على تمثلاتهم الخاصة للقوة والمجد والخطر والإرث.

ودونالد ترامب يمثل نموذجا بالغ الوضوح للقيادة التي يصعب فصل السياسة الخارجية لديها عن شخصية الرئيس وطريقته في تقديم ذاته.

فممارسته السياسية وخطابه العام يكشفان عن حساسية مرتفعة تجاه الاعتراف الشخصي، والإنجاز القابل للتسمية، والإرث الذي يمكن تحويله إلى علامة سياسية دائمة.

وهو لا يتعامل مع السياسة بوصفها منظومة مجردة من القواعد وحدها، بل كثيرا ما يقاربها بمنطق الصفقة والنتيجة والاعتراف المتبادل: ماذا قدمت الولايات المتحدة؟ ماذا حصلت في المقابل؟ وما الإنجاز الذي يستطيع الرئيس أن ينسبه إلى نفسه عندما يكتب التاريخ؟

لهذا، فإن فهم ترامب لا يمر فقط عبر قراءة الوثائق الصادرة عن البيت الأبيض أو وزارة الخارجية، بل عبر استيعاب منطقه الشخصي في ممارسة السلطة.

فالرجل يفضل القرارات الكبرى التي يمكن تقديمها باعتبارها اختراقات غير مسبوقة، ويميل إلى إعادة صياغة العلاقات الدولية في صورة صفقات واضحة، يكون فيها الربح قابلا للعرض أمام الجمهور، ويكون الإنجاز مقترنا باسم صاحبه.

ومن ثم، فإن مخاطبته بلغة الإرث ليست بالضرورة مجاملة شخصية، بل قد تكون مدخلا إلى بناء تقاطع بين طموح القائد ومصلحة الدولة.

في هذا المستوى تحديدا تبرز خصوصية الدبلوماسية المغربية بقيادة جلالة الملك محمد السادس، باعتباره مهندس السياسة الخارجية للمملكة والضامن لتوجهاتها الاستراتيجية الكبرى.

فقد أرسى جلالته ممارسة دبلوماسية لا تكتفي بقراءة موازين القوى، وإنما تقرأ أيضا من يمسك بميزانها، وكيف يرى نفسه، وما الذي يدفعه إلى تحويل موقف سياسي عابر إلى جزء من إرثه الشخصي والمؤسساتي. وهذه القدرة على قراءة القادة لا تعني الانسياق وراء نزعاتهم، وإنما تعني توظيف المعرفة الدقيقة بشخصياتهم لبناء مساحات التقاء بين ما يرغبون في تحقيقه وما يخدم المصالح العليا للمملكة.

ولا يتعلق الأمر، بالمعنى العلمي الصارم، بالنفاذ إلى «عقل أنجلوساكسوني» موحد أو ثابت؛ فالثقافة السياسية الأمريكية متعددة ومركبة، وتتقاطع داخلها التقاليد الليبرالية والمحافظة والشعبوية والمؤسساتية والانعزالية والتدخلية.

غير أن ذلك لا يمنع من الحديث عن بنية عميقة في الخيال السياسي الأمريكي، تلتقي فيها القوة بالإنجاز، والقيادة بالإرث، والسياسة بالرغبة في ترك أثر قابل للرؤية والقياس والتذكر.

ومن هذه الزاوية، يبدو أن الدبلوماسية المغربية تمتلك فهما متقدما للشفرة السياسية التي تحكم أسلوب ترامب، وتدرك أن الرجل لا يريد فقط أن يتخذ القرار، بل يريد أن يعرف العالم من اتخذه، وأن يظل اسمه مرتبطا به بعد انقضاء ولايته.

إن ما ورد في التدوينة موضوع المتابعة الدولية، بشأن إطلاق اسم ترامب على الطريق الرابط بين تزنيت والداخلة، فإننا لن نكون أمام مجرد تكريم رمزي لشخصية سياسية أجنبية، بل أمام رسالة استراتيجية موجهة بعناية إلى قائد يمنح للرمزية الشخصية قيمة استثنائية.

فالطريق هنا ليس إسفلتا يمتد نحو الجنوب فحسب؛ إنه حجة جغرافية متحركة، تصل السيادة بالتنمية، والحدود بالمستقبل، والصحراء بالمحيط الأطلسي، والمغرب بعمقه الإفريقي.

ويمثل هذا المشروع، في دلالته الوطنية والاستراتيجية، أكثر من بنية تحتية للنقل. إنه تجسيد مادي لوحدة التراب المغربي، وأداة لإدماج الأقاليم الجنوبية في الدورة الاقتصادية الوطنية، ومحور للانفتاح على الساحل وغرب إفريقيا، ورافعة للمبادرة الأطلسية التي تمنح الدول الإفريقية غير الساحلية إمكان الولوج إلى المحيط. ولذلك فإن اقتران اسم رئيس أمريكي بهذا المشروع، إن ثبت رسميا، سيكون حاملا لمعنى يتجاوز المجاملة إلى إنتاج رابط رمزي بين الموقف الأمريكي من مغربية الصحراء وبين مستقبل التنمية في الأقاليم الجنوبية.

وتكمن براعة هذا النوع من الدبلوماسية في أنه لا يطلب من القوة الكبرى تبني موقف المغرب فقط، بل يسعى إلى جعل هذا الموقف جزءا من القصة التي ترويها القوة الكبرى عن نفسها.

فالدول التي تفتقر إلى الرؤية تطلب الاهتمام، والدول التي تمتلك حدا من القدرة تبني التحالفات، أما الدول التي تفكر استراتيجيا فتعرف كيف تجعل مصالحها جزءا من سردية الشريك عن قوته وإنجازاته ومكانته التاريخية.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الرمزية المفترضة لتسمية الطريق باعتبارها أداة دبلوماسية شديدة النفاذ في مواجهة خصوم الوحدة الترابية.

فهي لا تستهدف الخصم مباشرة، ولا تدخل معه في سجال لفظي، بل تعيد تشكيل البيئة السياسية والدولية التي يتحرك داخلها.

إنها، بهذا المعنى، سلاح إدراكي لا يهاجم الخصم في موقعه، وإنما يرفع تدريجيا كلفة خطابه، ويضيق المجال أمام أطروحاته، ويربط المشروع السيادي المغربي بمصالح ورموز وقادة دوليين يصعب تجاهل وزنهم.

وتزداد قوة هذا الاحتمال عند التوقف عند العبارة المنسوبة إلى ترامب، والتي أعرب فيها عن تطلعه إلى السفر على امتداد الطريق «قريبا». فمن الناحية الصارمة، لا تشكل هذه العبارة إعلانا عن زيارة رسمية، ولا دليلا على وجود برنامج دبلوماسي محدد، ولا يمكن بناء خبر يقيني عليها.

غير أن اللغة السياسية لا تستخدم دائما للإعلان؛ فقد تستخدم أحيانا لتهيئة الاحتمال، أو اختبار ردود الأفعال، أو إرسال إشارة أولية إلى استعداد سياسي لم يتبلور بعد في صورة قرار مؤسساتي.

لذلك، فإن الحديث عن قرب زيارة ترامب للمغرب، وبالتحديد للأقاليم الجنوبية، يظل فرضية سياسية تحتاج إلى قرائن رسمية إضافية.

لكن مجرد ورود هذه الإشارة في خطاب صادر عنه، يمنحها قيمة لا ينبغي إهمالها. فالرئيس الأمريكي لا يتحدث هنا عن زيارة منشأة عابرة، بل عن السفر على امتداد طريق ينتهي في الداخلة، أي في قلب المجال الذي تتقاطع داخله قضية السيادة المغربية مع التحولات الجيوسياسية للأطلسي وإفريقيا.

وإذا تحولت هذه الإشارة مستقبلا إلى زيارة فعلية، فإن الحدث لن يكون بروتوكوليا.

فزيارة رئيس أمريكي للأقاليم الجنوبية للمملكة ستمنح الموقف الأمريكي بعدا ميدانيا ورمزيا شديد القوة، وستنقل الاعتراف من نص سياسي وقرار رئاسي إلى صورة دبلوماسية يصعب محو أثرها. كما ستبعث برسالة إلى الفاعلين الإقليميين والدوليين مفادها أن الأقاليم الجنوبية ليست فقط موضوع نزاع موروث في أروقة المؤسسات الدولية، بل فضاء للاستثمار والشراكة والربط الأطلسي وصناعة المستقبل.

وسيكون لهذه الزيارة، إن تمت، أثر يتجاوز العلاقات الثنائية المغربية الأمريكية. فهي قد تكرس المغرب بوصفه شريكا محوريا للولايات المتحدة في غرب إفريقيا والواجهة الأطلسية، وتعزز مركزية الداخلة في المشاريع الاقتصادية واللوجستية الإقليمية، وترفع الكلفة السياسية على الجهات التي ما تزال تتعامل مع قضية الصحراء بمنطق جامد لم يستوعب التحولات التي عرفها الملف على الأرض وفي المواقف الدولية.

غير أن التحليل الواقعي نفسه يفرض التحفظ من المبالغة في شخصنة المكاسب الدبلوماسية.

فالنجاح في مخاطبة شخصية ترامب لا يغني عن ضرورة تحصين الموقف المغربي داخل المؤسسات الأمريكية.

فالرمز قد يفتح الباب، لكن الكونغرس ووزارة الخارجية والبنتاغون وشبكات المصالح والفاعلون الاقتصاديون هم الذين يجعلون هذا الباب جزءا دائما من البناية.

لذلك فإن القيمة الحقيقية لأي تقارب شخصي مع الرئيس الأمريكي لا تقاس فقط بما ينتجه من تصريحات أو صور، وإنما بقدرته على التحول إلى سياسة أمريكية مستقرة، عابرة للأشخاص والإدارات.

ومن هنا، فإن التحدي الذي يواجه الدبلوماسية المغربية لا يتمثل في فهم الشفرة الترامبية وحدها، بل في تحويل ما قد ينتج عنها من فرص إلى مكاسب مؤسساتية طويلة المدى. فالعلاقة مع القائد تتيح لحظة الاختراق، أما العمل مع الدولة العميقة والمؤسسات الدستورية والاقتصادية والأمنية فيضمن استمراره.

والنجاح الاستراتيجي الحقيقي هو الجمع بين الاثنين: قراءة الشخص الذي يصنع القرار اليوم، وبناء البنية التي تمنع التراجع عنه غدا.

لقد راكم المغرب خلال العقود الأخيرة قدرة واضحة على إدارة قضاياه الكبرى بمنطق المبادرة لا بمنطق رد الفعل. فهو لا يرفع صوته في كل مرة يريد فيها توسيع نفوذه، لأنه يدرك أن أخطر التحولات تبدأ أحيانا بإشارة تبدو صغيرة، قبل أن تتحول إلى واقع سياسي يصعب التراجع عنه.

كما يدرك أن معارك السيادة لا تحسم فقط داخل مجلس الأمن أو في البيانات الرسمية، بل تحسم أيضا في خرائط الاستثمار، وفي حركة الطرق والموانئ، وفي إدارة الصورة، وفي جعل الشركاء الدوليين يرون مصالحهم داخل المشروع المغربي.

وفي هذا الإطار، يبدو أن جلالة الملك محمد السادس قد نجح في بناء دبلوماسية تجمع بين الثبات في المبادئ والمرونة في الأدوات، وبين استمرارية الدولة والقدرة على فهم التحولات التي تطرأ على القيادات الدولية.

وهذه الدبلوماسية لا تنظر إلى الرئيس الأمريكي بوصفه مجرد ممثل مؤقت لمؤسسة دائمة، ولا تنظر إليه في الوقت نفسه بوصفه المؤسسة كلها، بل تميز بين الشخصية والبنية، وتخاطب كل واحدة منهما باللغة المناسبة.

قد لا تكون الطريق قد حملت اسم ترامب رسميا، وقد لا تكون الزيارة قد تقررت، وقد تظل التدوينة في حدود إشارة تحتاج إلى التثبت. لكن السياسة الكبرى تبدأ أحيانا قبل الإعلان عنها، وتتحرك في المسافة الفاصلة بين الرمز والقرار، وبين الاحتمال والواقعة. وإذا كانت الدبلوماسية هي فن جعل الآخر يرى مصلحتك داخل صورته عن نفسه، فإن المغرب يكون قد نجح في نقل قضية الصحراء من ملف تطلب الرباط دعمه، إلى إرث قد يجد رئيس أمريكي مصلحة شخصية وسياسية وتاريخية في الدفاع عنه.

videossloader مشاهدة المزيد ←