بورتريه: الفنان عبد الجبار الوزير.. حين تصير مراكش مسرحاً ويصبح الضحك ذاكرة

بورتريه: الفنان عبد الجبار الوزير.. حين تصير مراكش مسرحاً ويصبح الضحك ذاكرة

من أزقة مراكش إلى خشبة المسرح.. مسار فنان جعل من البساطة مدرسة، ومن الضحك جزءاً من الذاكرة المغربية

مريم النابلسي- مراكش الآن

في مراكش، لا تحتاج الحكاية إلى موعد كي تبدأ. يكفي أن تفتح نافذة على زقاق عتيق، أو تجلس في مقهى شعبي، أو تنصت إلى حديث عابر بين شخصين، حتى تجد نفسك أمام مشهد قابل لأن يتحول إلى فرجة.

من هذه المدينة التي تتقاطع فيها الحكاية مع الحياة، خرج عبد الجبار الوزير. ولد في بيئة شعبية غنية بالتفاصيل، وحمل معه إلى الخشبة شيئاً من روحها، ولهجتها، وشخصياتها، وطرائفها، قبل أن يتحول مع مرور السنوات إلى واحد من الوجوه التي يصعب فصلها عن تاريخ المسرح والكوميديا في المغرب.

لم يكن عبد الجبار الوزير ممثلاً يبحث عن الضحك بأي ثمن. كان، في جوهر تجربته، فناناً يعرف أن أقرب الطرق إلى الجمهور هي أن يتحدث بلغته، وأن يضع على الخشبة شخصيات تشبهه وتشبه الناس من حوله.

فنان خرج من قلب الحياة

قبل أن يصبح اسمه معروفاً فوق الخشبة وأمام كاميرات التلفزيون، عاش عبد الجبار الوزير حياة قريبة من الناس، وخاض تجارب جعلته يعرف المجتمع من داخله.

ارتبط في بداياته بمدينة مراكش وبأحيائها الشعبية، كما كانت له تجربة مع كرة القدم، حين لعب حارساً ضمن الفئات الشابة لفريق الكوكب المراكشي.

غير أن مساره لم يكن رياضياً فقط. فقد عاش أيضاً مرحلة من النضال الوطني خلال فترة الحماية، وتعرض للاعتقال، وهناك داخل السجن تعلم القراءة والكتابة على يد مقاومين مغاربة.

كانت الحياة، قبل الفن، هي مدرسته الأولى.

وهذا ما يفسر ربما ذلك الحضور العفوي الذي سيصبح لاحقاً إحدى أبرز سماته فوق الخشبة. فقد دخل إلى الفن وهو يحمل معه تجربة إنسانية، لا مجرد رغبة في الظهور.

حين كانت الخشبة مدرسة

في بدايات الخمسينيات، اقترب عبد الجبار الوزير من المسرح من خلال فرقة الأطلس الشعبي، في مرحلة كان فيها المسرح المغربي لا يزال يؤسس لنفسه ويبحث عن لغته الخاصة.

كانت الخشبة آنذاك فضاءً للتجريب والتكوين والتواصل مع الجمهور، وكانت الفرق المسرحية تنتقل بين المدن والقرى، حاملة معها عروضاً تنبني على الحكاية والشخصية والموقف، وعلى علاقة مباشرة مع المتلقي.

في هذا المناخ وجد الوزير نفسه.

وكانت مسرحية «الفاطمي والضاوية» من الأعمال التي ارتبطت ببداياته، قبل أن تتسع تجربته وتتوالى مشاركاته.

وفي سنة 1957، وقف رفقة فرقة الأطلس الشعبي أمام الملك محمد الخامس بقصر الباهية بمراكش، في محطة عكست مبكراً حجم الحضور الذي بدأ يكتسبه المسرح الشعبي.

لم تكن الخشبة بالنسبة إلى عبد الجبار الوزير مجرد مكان للتمثيل؛ كانت فضاءً للحياة نفسها.

محمد بلقاس.. رفيق البدايات وذاكرة الثنائي

في مسيرة عبد الجبار الوزير، يبرز اسم الفنان الراحل محمد بلقاس.

فقد شكل الاثنان ثنائياً ارتبط بمرحلة مهمة من المسرح الشعبي المراكشي، واستطاعا من خلال التلقائية والبساطة وقرب الشخصيات من الحياة اليومية أن يخلقا علاقة خاصة مع الجمهور.

لم تكن قوتهما في التعقيد. كانت في التفاصيل الصغيرة.

نظرة، حركة، نبرة صوت، جملة عابرة أو موقف بسيط، كلها كانت قابلة لأن تتحول على الخشبة إلى مادة للضحك.

وكان الوزير يمتلك قدرة استثنائية على الإمساك بهذه التفاصيل وإعادة تقديمها في قالب فني يجعل الجمهور يرى نفسه أمامه.

عبد الجبار الوزير.. الضحك بوصفه مرآة للمجتمع

لم يكن الضحك في تجربة عبد الجبار الوزير منفصلاً عن الواقع.

الشخصية التي يؤديها قد تبدو بسيطة، لكن خلف بساطتها تختبئ ملامح مجتمع كامل؛ علاقاته، تناقضاته، عاداته، مخاوفه، وطموحاته.

وهنا تتجاوز الكوميديا وظيفتها الترفيهية لتصبح نوعاً من القراءة الاجتماعية.

كان الوزير يعرف أن الجمهور لا يريد فقط أن يضحك؛ يريد أن يتعرف على نفسه أيضاً.

ولذلك كانت شخصياته قريبة، مألوفة، وغير متعالية على الناس.

لم يكن يقدم الإنسان المغربي كما ينبغي أن يكون في الكتب، وإنما كما يراه في الشارع والبيت والسوق والمقهى.

وهذه إحدى أسرار بقائه في الذاكرة.

من الحلقة المراكشية إلى الشاشة

في مراكش، كان المسرح الشعبي والحلقة فضاءين متداخلين في صناعة الفرجة.

الحكواتي، سرعة البديهة، التفاعل مع الجمهور، القدرة على الارتجال، وتحويل الموقف العادي إلى حكاية؛ كلها عناصر وجدت طريقها إلى تجربة عبد الجبار الوزير.

ثم جاءت الشاشة الصغيرة لتفتح أمامه مجالاً أوسع للوصول إلى الجمهور.

فشارك في أعمال تلفزيونية وسينمائية، وظل حضوره قادراً على الوصول إلى أجيال لم تعاصره في بداياته المسرحية.

ومن الأعمال التي ارتبط بها اسمه «الحراز» و«سيدي قدور العلمي»، و«حلاق درب الفقراء»، كما عرفه جمهور التلفزيون من خلال أعمال من بينها «دار الورثة» و«ولد مو».

وهكذا انتقل الفنان من الخشبة إلى الشاشة دون أن يفقد جوهره.

كانت الوسيلة تتغير، لكن الشخصية الفنية بقيت.

«الوزير».. اسم أصبح علامة

حتى الاسم الذي عرف به الجمهور الفنان يحمل حكاية.

فاسمه الحقيقي هو عبد الجبار بلوزير، قبل أن يرتبط به لقب «الوزير» ويصبح لاحقاً الاسم الذي يعرفه به المغاربة.

ومع مرور الزمن، لم يعد «عبد الجبار الوزير» مجرد اسم فني؛ أصبح علامة دالة على مدرسة معينة في الأداء، وعلى زمن كانت فيه الكوميديا تنبع من الشخصية والموقف والحضور، لا من المؤثرات وحدها.

مراكش لم تكن خلفية.. كانت بطلاً

حين نتأمل تجربة عبد الجبار الوزير، يصعب التعامل مع مراكش باعتبارها مجرد خلفية لسيرته.

المدينة كانت حاضرة في تجربته مثل شخصية رئيسية.

في اللهجة.

في الإيقاع.

في طريقة بناء الشخصية.

في السخرية الشعبية.

وفي ذلك المزج المراكشي الخاص بين الجدية وخفة الظل.

كان ابن مدينة تعرف كيف تحول تفاصيل الحياة إلى فرجة، فكان من الطبيعي أن تصبح تلك التفاصيل جزءاً من قاموسه الفني.

ولهذا فإن الحديث عن عبد الجبار الوزير هو، في جانب منه، حديث عن مراكش التي أنجبت أجيالاً من الفنانين، وحولت الفضاء الشعبي إلى مدرسة في التعبير.

ستة عقود من الحضور

امتدت تجربة عبد الجبار الوزير على مدى عقود طويلة، عاصر خلالها تحولات كبيرة في المجتمع المغربي وفي وسائل الإنتاج والفرجة.

تغير المسرح.

تغير التلفزيون.

تغيرت لغة الجمهور.

وتبدلت أنماط الكوميديا.

لكن الوزير استطاع أن يحتفظ بمكانته.

وهذه ليست مسألة سهلة بالنسبة إلى فنان ينتمي إلى جيل سابق، لأن بقاء الفنان في الذاكرة لا تصنعه الشهرة وحدها، وإنما قدرته على أن يتحول إلى جزء من الوجدان الجماعي.

عبد الجبار الوزير نجح في ذلك.

الرحيل.. حين يغيب الفنان ويبقى صوته

في الثاني من شتنبر 2020، غاب عبد الجبار الوزير عن المشهد، بعد مسيرة طويلة من العطاء.

ووري جثمانه الثرى بمراكش، المدينة التي ظل اسمه مرتبطاً بها ارتباطاً وثيقاً.

كان الرحيل نهاية حضور الجسد، لكنه لم يكن نهاية الفنان.

فالفنان الذي عاش في ذاكرة الناس لا يغادر بالكامل.

يكفي أن يعاد بث مشهد قديم، أو أن تُستعاد مسرحية من أرشيف التلفزيون، حتى يعود صوته وملامحه وحركاته إلى الواجهة.

تلك هي قوة الذاكرة الفنية.

ما الذي بقي من عبد الجبار الوزير؟

بقيت الأعمال.

وبقيت الشخصيات.

وبقيت الضحكة.

لكن الأهم من ذلك كله بقيت مدرسة.

مدرسة تقول إن الفنان لا يحتاج دائماً إلى الإمكانات الكبيرة كي يصنع أثراً كبيراً، وإن البساطة ليست نقيضاً للإبداع، وإن الاقتراب من الناس يمكن أن يكون أقوى من كل أشكال الاستعراض.

عبد الجبار الوزير لم يكن فناناً منفصلاً عن محيطه.

كان ابن ذلك المجتمع.

ومن هنا جاءت قوته.

ذاكرة مراكش.. وذاكرة المغاربة

بعد رحيله، لم يعد السؤال عن حضور عبد الجبار الوزير مرتبطاً بعدد الأعمال التي شارك فيها، وإنما بما تركه في الناس.

هناك فنانون ينتهي دورهم بانتهاء العمل. وهناك فنانون يتحولون إلى ذاكرة.

عبد الجبار الوزير من الصنف الثاني.

لذلك فإن استعادة سيرته اليوم ليست مجرد احتفاء بفنان راحل، وإنما استعادة لمرحلة من تاريخ المسرح المغربي، ولجزء من ذاكرة مراكش الفنية، ولزمن كانت فيه الخشبة تصنع النجوم، وكان الفنان يصل إلى الناس لأنه يشبههم.

لقد رحل عبد الجبار الوزير، لكن الرجل الذي جعل المغاربة يضحكون ظل حاضراً في وجدانهم.

رحل الفنان، وبقيت الحكاية.

وبقيت مراكش، كلما فتحت صفحات ذاكرتها الفنية، تجد بين سطورها اسماً لا يحتاج إلى تعريف: إنه إبنها البار الفنان عبد الجبار الوزير.

videossloader مشاهدة المزيد ←