
في تحليل خطاب المرحلة المقبلة.. الوطن بين خطابي الحكومة والمعارضة

الدكتور أنس مطيع – أستاذ باحث في تحليل الخطاب
أعتقد أن أحد الأصوات الغائبة، أو على الأقل غير الحاضرة بما يكفي في مواكبة النقاش العمومي، هو صوت الباحثين بمختلف تخصصاتهم ومشاربهم.
فقد تُرك جزء كبير من الساحة العمومية للتجاذبات السياسية والإعلامية، في حين أن وظيفة الباحث، كما أتصورها، هي أن يسهم في قراءة الظواهر وتحليلها، وأن يقدم خلاصاته بأخلاقيات علمية، بعيدًا عن الاصطفافات والمزايدات، واضعًا نصب عينيه هدفًا جامعًا: المصلحة الوطنية.
ومن زاوية تحليل الخطاب، يمكن تشخيص المرحلة الراهنة من خلال ملاحظة حالة من العزوف والصمت لدى جزء من المجتمع. والعزوف، في تقديري، ليس غيابًا للموقف؛ بل قد يكون في حد ذاته رسالة تعبر عن عدم الرضا عن سياسات أو ممارسات معينة. والأهم أن هذا الصمت لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه فراغًا، لأنه قد يختزل تراكمًا هادئًا لمشاعر السخط وعدم الثقة، التي يمكن أن تجد لها، في لحظة معينة، تعبيرات مختلفة داخل المجال العمومي.
وهنا يطرح السؤال: ما العمل؟ وما الخطاب الذي تحتاجه المرحلة المقبلة؟
أولًا: خطاب الحكومة المقبلة
يعرف الباحثون في تحليل الخطاب والحجاج أن هناك علاقة وثيقة بين القوة الحجاجية للخطاب ومصداقية المتكلم وشرعيته (légitimité). فلا يمكن بناء الإقناع السياسي فقط من خلال الوعود أو قوة اللغة، إذا لم تتوافر للمخاطِب المصداقية التي تجعل الجمهور مستعدًا أصلًا للإنصات إليه والثقة في خطابه.
لذلك، أعتقد أن أحد تحديات التدبير السياسي في المرحلة المقبلة يتمثل في إعادة بناء المصداقية. ويبدأ ذلك باختيار كفاءات ووجوه تتمتع بالمصداقية والقدرة على الإقناع والتدبير، سواء جاءت من داخل الأحزاب أو من خارجها، مع ضرورة إخضاع التجربة السياسية السابقة لقراءة نقدية واضحة وصريحة، وترتيب المسؤوليات السياسية بعيدًا عن التعميم.
كما تحتاج الأحزاب والفاعلون السياسيون إلى إعادة التفكير في هويتهم وأطروحاتهم السياسية، وتوضيحها للرأي العام، وإنتاج مسوغات خطابية جديدة تستجيب لمفاهيم المرحلة وانتظارات المجتمع. فالخطاب السياسي لا يستعيد فاعليته بمجرد تغيير الكلمات، وإنما عندما تتجدد العلاقة بين القول والفعل، وبين الوعد والإنجاز، وبين الخطاب والمصداقية.
ثانيًا: أي خطاب للمعارضة؟
من مصلحة البلاد أن تكون هناك معارضة ديمقراطية قوية ومسؤولة، قادرة على لعب دور الوسيط بين المجتمع ومؤسسات الدولة. فحين يضعف الوسيط السياسي ويغيب المخاطب القادر على تأطير المطالب والاحتجاجات وتحويلها إلى مقترحات سياسية قابلة للنقاش، يصبح المجال مفتوحًا أمام خطابات غير مؤطرة، وقد يتحول الاحتجاج من مطلب مفهوم إلى حالة يصعب التحكم في معانيها ومساراتها.
ومن هذا المنظور، فإن قوة المعارضة يمكن أن تسهم في تقوية الدولة من الداخل، متى مارست أدوارها في إطار الثوابت الجامعة والمبادئ الدستورية والمؤسساتية.
لكن المعارضة، بدورها، مطالبة بتجديد خطابها. ومن المهم، في تقديري، ألا تسقط في فخ الاستقطاب الإيديولوجي والمرجعي الحاد، خصوصًا عندما يتحول الاختلاف السياسي إلى صراع حول المشترك الديني للمغاربة. فالأحزاب، مهما اختلفت مرجعياتها، مسؤولة أساسًا عن تقديم السياسات والبرامج والحلول ومناقشة قضايا المجتمع، أما المشترك الديني والروحي للمغاربة فتؤطره ثوابت الدولة ومؤسساتها، وفي مقدمتها إمارة المؤمنين.
لذلك، فإن نقل الصراع من مجال السياسات العمومية إلى مجال الهوية الدينية للمجتمع قد لا يخدم النقاش الديمقراطي، وقد ينتج استقطابًا يكون المجتمع أول المتضررين منه.
ثالثًا: من معارضة الأشخاص إلى معارضة السياسات
كمتابع للخطابات السياسية، أرى ضرورة التمييز بين خطاب المؤسسات الحزبية وخطاب زعمائها؛ فهما ليسا دائمًا شيئًا واحدًا. ويمكن، على سبيل المثال، التمييز تحليليًا بين خطاب مؤسسة حزب العدالة والتنمية كما يظهر في بياناتها ومواقفها الرسمية، وبين خطاب أمينها العام، وهو موضوع يستحق دراسة مستقلة.
كما أن خطاب فدرالية اليسار، من زاوية تحليلية، يتيح مادة مهمة لدراسة بناء الحجاج والمفاهيم والمرجعيات المرتبطة بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
غير أن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون في قوة الخطاب وحدها، بل في كيفية استثمار الطاقات الحجاجية للمعارضة في تتبع السياسات العمومية ونقدها وتقويمها واقتراح البدائل، بدل اختزال المعارضة في مهاجمة الأشخاص أو القذف أو التشكيك المستمر.
وفي المقابل، لا تفقد المعارضة وظيفتها حين تثمن مبادرة حكومية تراها إيجابية؛ لأن المعارضة المسؤولة ليست رفضًا آليًا لكل ما تقوم به الحكومة، مثلما أن المسؤولية الحكومية لا تعني رفض كل نقد صادر عن المعارضة.
نحو تعاقد خطابي جديد
تحتاج المرحلة المقبلة، في تقديري، إلى نوع من التعاقد الخطابي الجديد بين مختلف الفاعلين. تعاقد لا يلغي الاختلاف، بل ينظمه، ولا يبحث عن إجماع مصطنع، بل يجعل من التعدد مصدرًا لإغناء النقاش العمومي.
نحتاج إلى خطاب حكومي يقوم على المصداقية، والوضوح، والإنجاز، وتحمل المسؤولية، وإلى خطاب معارض يقوم على الأرقام والمعطيات والحجاج والبدائل والمساءلة.
نعم لمعارضة مسؤولة وقوية ومسنودة بالمعطيات والأرقام. ونعم لتعدد المشارب والمرجعيات الفكرية، لأن في تعددها تعبيرًا عن غنى المجتمع المغربي وتنوع طاقاته.
إن نجاح التجربة الديمقراطية لا يقاس بغياب الأصوات المختلفة، وإنما بقدرتها على استيعاب هذه الأصوات وتأطير اختلافاتها داخل المؤسسات.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يظل هناك وعي جماعي بأن الخطاب السياسي، حين يتجاوز نقد السياسات والبرامج إلى تقويض الثقة العامة في المؤسسات ذاتها، يمكن أن تكون له آثار تتجاوز المنافسة الحزبية المباشرة.
ولهذا فإن الرهان، بالنسبة إليّ كباحث في تحليل الخطاب، ليس في أن ينتصر خطاب الحكومة على خطاب المعارضة، أو العكس، وإنما في أن يرتقي الخطابان معًا إلى مستوى يجعل الاختلاف السياسي أداة لإنتاج الحلول، ويجعل النقد وسيلة للتقويم، ويجعل التعدد مصدر قوة.
فالغاية في النهاية واحدة: تحصين الجبهة الداخلية، وتقوية الثقة، ورفع قدرة المجتمع والدولة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وتغليب المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
مشاهدة المزيد ←







