
القضاء الإداري بمراكش ينتصر لسمو القانون ويعيد رسم الحدود بين الشرعية الانتخابية والممارسة الفعلية للسلطة المهنية

عبد القادر الدكالي – مراكش
حكم قضائي يعيد الأستاذ محمد صباري إلى دائرة التنافس على منصب نقيب المحامين بمراكش، ويؤسس لقراءة قانونية دقيقة في آثار إبطال الانتخابات وحجية الأحكام القضائية.
في حكم قضائي لافت، تتجاوز دلالاته حدود المنازعة الانتخابية المهنية إلى عمق المبادئ المؤطرة لدولة القانون، أصدرت المحكمة الابتدائية الإدارية بمراكش، بتاريخ 2 نونبر 2026، حكمها عدد 2158 في الملف رقم 2026/7107/2277، القاضي بإلغاء القرار الضمني الصادر عن نقيب هيئة المحامين بمراكش، والمتعلق برفض إدراج اسم الأستاذ محمد صباري ضمن لائحة المحامين المؤهلين للترشح لمنصب النقيب برسم الولاية الممتدة من فاتح يناير 2027 إلى 31 دجنبر 2029، مع ترتيب الآثار القانونية على ذلك.
ولئن بدا النزاع، في ظاهره، خلافا حول أهلية محام للترشح إلى مسؤولية مهنية، فإن القراءة المتأنية للحكم وتعليلاته تكشف عن قضية قانونية أعمق، تتمحور حول سؤال بالغ الأهمية: هل يمكن للممارسة الفعلية لمهام منصب مهني أن تنتج صفة قانونية دائمة، رغم صدور حكم قضائي نهائي بإبطال السند الانتخابي الذي قامت عليه تلك الممارسة؟
إنه السؤال الذي شكل جوهر المنازعة، والذي قدم القضاء الإداري بشأنه جوابا مؤسسا على التمييز بين الواقع المادي والمركز القانوني، وعلى مبدأ خضوع القرارات المهنية لرقابة المشروعية.
من إغفال الاسم إلى رقابة القضاء
انطلقت القضية إثر نشر لائحة المحامين المؤهلين للترشح لمنصب نقيب هيئة المحامين بمراكش بتاريخ 19 أكتوبر 2026، دون أن تتضمن اسم الأستاذ محمد صباري، رغم أقدميته المهنية التي تتجاوز ثمانية وعشرين عاما، وسبقية عضويته بمجلس الهيئة خلال ولايتين انتخابيتين.
وأمام هذا الإغفال، بادر المعني بالأمر إلى تقديم طلب لتداركه بواسطة مفوض قضائي، قبل أن يلجأ إلى القضاء الإداري بعد عدم توصله بجواب داخل الأجل القانوني.
وقد أثارت المنازعة جملة من الإشكالات القانونية، شملت شروط قبول الطعن، وآجال نشر اللوائح الانتخابية، وحدود سلطة الأجهزة المهنية في تحديد أهلية المترشحين، فضلا عن الآثار القانونية المترتبة على إبطال انتخاب سابق لمنصب النقيب.
وفي مواجهة الطعن، تمسكت الجهة المطلوبة بعدد من الدفوع الشكلية والموضوعية، كان أبرزها اعتبار الأستاذ محمد صباري نقيبا سابقا، استنادا إلى انتخابه خلال سنة 2014 وممارسته الفعلية لمهام النقيب ابتداء من سنة 2015، وما صاحب ذلك من قرارات وتوقيعات وتصرفات مهنية وإدارية.
غير أن جوهر الخلاف لم يكن حول حصول تلك الممارسة من الناحية الواقعية، وإنما حول مدى صلاحيتها لإنتاج صفة قانونية بعد صدور قرار قضائي بإبطال الانتخاب.
عندما تكون الحقيقة القضائية أقوى من الأمر الواقع
شكلت هذه النقطة المحور الأكثر أهمية في الحكم.
فقد سبق لغرفة المشورة بمحكمة الاستئناف بمراكش أن أصدرت قرارها عدد535 بتاريخ 11 فبراير 2015، القاضي بإبطال انتخاب الأستاذ محمد صباري نقيبا، وهو القرار الذي استقر أثره بعد رفض الطعن بالنقض.
وقد اعتبرت الجهة المطلوبة في الطعن أن ممارسة الأستاذ صباري لمهام النقيب، ولو خلال فترة محدودة، تكفي لاعتباره نقيبا سابقا، وبالتالي خضوعه للمانع المنصوص عليه في المادة 133 من القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة.
لكن المحكمة الإدارية اتجهت إلى تحليل مغاير، يقوم على أن الصفة القانونية لا تنشأ من مجرد الممارسة الفعلية، وإنما من سلامة السند القانوني المنشئ لها.
وبهذا التوجه، ميزت المحكمة بين وجود أعمال مادية وإدارية صدرت أثناءممارسة المهام، وبين استمرار الصفة القانونية التي يفترض أن تستند إلىانتخاب صحيح.
ولم تقف المحكمة عند هذا الحد، بل استحضرت اجتهادا قضائيا صادرا عنغرفة المشورة بمحكمة الاستئناف بأكادير، أيدته محكمة النقض، مؤداه أنممارسة المهام بصورة فعلية لا يمكن أن تشكل سندا قانونيا لمواجهة الأحكامالقضائية النهائية التي حسمت في عدم مشروعية الانتخاب.
وهو توجه يكرس مبدأ بالغ الأهمية: أن الأمر الواقع، مهما امتد زمنيا أوترتبت عنه تصرفات عملية، لا يستطيع أن يسمو على الحقيقةالقانونية التي حسم فيها القضاء.
حجية الأحكام القضائية ليست مجرد إعلان نظري
تكمن إحدى أبرز إضافات هذا الحكم في الطريقة التي تناول بها آثار إبطال الانتخاب.
فالحكم القضائي بإبطال سند انتخابي لا يمكن اختزال مفعوله في إنهاء ممارسة المهام مستقبلا، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بالصفة التي كان ذلك السند أساسا لاكتسابها.
ذلك أن إبطال الانتخاب يمس المصدر القانوني للصفة، ويمنع الاحتجاج بها لإنتاج آثار قانونية جديدة تتعارض مع منطوق الحكم وحجيته.
وقد تعاملت المحكمة مع هذه الإشكالية من خلال التمييز بين أمرين مختلفين: المحافظة على بعض التصرفات الصادرة خلال فترة الممارسة حماية لاستقرار المعاملات ومصالح الأغيار، وعدم الاعتداد بتلك التصرفات لإثبات صفة النقيب السابق في مواجهة صاحبها.
وهذا التمييز يكتسي أهمية خاصة، لأنه يحول دون الخلط بين مقتضيات استمرارية المؤسسات المهنية وبين شروط اكتساب المسؤوليات داخلها.
فاستقرار المعاملات لا يعني بالضرورة تصحيح السند الانتخابي الذي أبطلته المحكمة، كما أن حماية حقوق الأغيار لا تعني منح ممارسة سابقة أثرا قانونيا يتعارض مع حكم قضائي نهائي.
الدفاع القانوني ودوره في إعادة تحديد جوهر النزاع
تكشف المذكرات التعقيبية المقدمة في الملف عن بناء دفاعي انطلق من ضرورة الفصل بين الوقائع المادية والآثار القانونية التي يمكن ترتيبها عليها.
فقد تمسك دفاع الأستاذ محمد صباري بأن الممارسة الفعلية لمهام النقيب لاتكفي لإثبات صفة النقيب السابق، ما دام الانتخاب الذي استندت إليه تلك الممارسة قد أبطل بمقتضى قرار قضائي.
كما استند الدفاع إلى اجتهاد قضائي سابق اعتبر أن الحقيقة القانونية والقضائية لا يمكن دحضها بالاستناد إلى مجرد ممارسة فعلية لمهام انتخابية.
وهي حجة لم تكن مجرد مناقشة لواقعة تاريخية، بل كانت محاولة لإعادة النزاع إلى إطاره القانوني الصحيح: هل تتعلق المادة 133 بمن مارس المهام فعليا، أم بمن اكتسب صفة النقيب السابق بناء على سند انتخابي منتجل آثاره القانونية؟
وتبرز أهمية هذا التوجه في أن المحكمة تبنت، في تعليلها، التمييز الجوهري بين الممارسة الواقعية والصفة القانونية، مع الاستناد إلى الاجتهاد القضائي المتعلق بآثار إبطال الانتخاب.
من مجرد المتابعة إلى ضرورة الإدانة النهائية
لم يقتصر الحكم على معالجة شرط عدم سبق تولي منصب النقيب، بل تناول أيضا إشكالية الموانع المرتبطة بالمتابعات التأديبية والزجرية.
فقد وقفت المحكمة عند التحول الذي عرفه الإطار التشريعي المنظم لمهنة المحاماة، ولا سيما الانتقال من مقتضيات القانون رقم 28.08 إلى أحكام القانون رقم 66.23.
وفي هذا السياق، أبرزت المحكمة أن المادة 133 من القانون الجديد ربطت المانع المتعلق بالقضايا الماسة بالشرف أو المروءة أو الأمانة بصدور مقرر قضائي نهائي بالإدانة، وليس بمجرد وجود متابعة سابقة.
كما استحضرت القرار القضائي الصادر بعدم مؤاخذة الأستاذ محمد صباري من المنسوب إليه، والذي أصبح نهائيا، فضلا عن الوثائق المتعلقة بسجله العدلي ووضعه التأديبي.
وتكمن أهمية هذا التعليل في تأكيد أن القيود المفروضة على أهلية الترشح لايجوز توسيعها خارج الحدود التي رسمها المشرع.
فلا يمكن تحويل مجرد متابعة إلى إدانة، ولا ترتيب مانع انتخابي على واقعة لا يمنحها القانون النافذ ذلك الأثر.
إنها قراءة تعيد الاعتبار إلى مبدأ الشرعية، وإلى ضرورة التفسير الدقيق للنصوص المقيدة للحقوق المهنية والانتخابية.
القضاء الإداري ضمانة لاستقلال المهنة لا خصم لها
تكتسي القضية بعدا مؤسساتيا يتجاوز أطرافها المباشرين.
فاستقلال مهنة المحاماة، باعتباره إحدى الضمانات الأساسية لحسن سير العدالة، لا يعني تحصين القرارات الصادرة عن أجهزتها من الرقابة القضائية.
بل إن خضوع تلك القرارات لمبدأ المشروعية يمثل ضمانة إضافية لاستقلال المهنة، لأنه يحميها من كل تأويل أو ممارسة قد تفضي إلى تقييد الحقوق المهنية خارج نطاق القانون.
وقد جسدت المحكمة هذا التوجه عندما رفضت الدفوع الشكلية المتعلقة بالصفة والمصلحة ونطاق الطعن، وأكدت قابلية القرارات الصادرة في المجال المهني للرقابة القضائية متى مست بالمراكز القانونية للأشخاص.
وبذلك لم يكن تدخل القضاء تدخلا في الاختيار الانتخابي للمحامين، وإنما ممارسة لاختصاصه في مراقبة احترام القواعد القانونية المؤطرة لذلك الاختيار.
فالسلطة القضائية لا تختار النقيب، ولا تحل محل الهيئة الناخبة، وإنما تضمن أن تظل المنافسة مفتوحة أمام كل من تتوفر فيه الشروط التي حددها القانون.
حكم يتجاوز الأشخاص إلى ترسيخ المبادئ
إن القيمة الحقيقية للحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية الإدارية بمراكش لاتقاس فقط بما رتبه من آثار لفائدة الأستاذ محمد صباري، وإنما بما تضمنه من معالجة قانونية لمسائل تتكرر في المنازعات الانتخابية المهنية.
فهو يطرح بوضوح حدود الاعتداد بالممارسة الفعلية، ومدى امتداد حجية الأحكام القضائية، والتمييز بين استقرار التصرفات الإدارية ومشروعية الصفة التي صدرت في ظلها، فضلا عن ضرورة التقيد الحرفي بالشروط القانونية المانعة من الترشح.
والأهم من ذلك أنه يعيد التأكيد على أن المشروعية ليست مسألة شكلية يمكن تجاوزها باعتبارات الواقع، وإنما هي الأساس الذي تستمد منه المؤسسات والصفات والقرارات قوتها القانونية.
وقد انتهت المحكمة إلى إلغاء القرار الضمني الرافض لإدراج اسم الأستاذ محمد صباري ضمن لائحة المؤهلين للترشح لمنصب النقيب، مع ترتيب الآثار القانونية على ذلك.
وبين انتخاب أبطله القضاء، وممارسة فعلية استندت إليه، وحكم جديد أعاد ترتيب الآثار القانونية، تبرز قاعدة مؤسساتية جامعة: لا يمكن للأمر الواقع أن يتحول إلى مصدر مستقل للمشروعية في مواجهة حكم قضائي نهائي.
ولعل الرسالة الأعمق التي يحملها هذا الحكم إلى الوسط المهني وإلى عموم الفاعلين في المؤسسات المنتخبة هي أن احترام الأحكام القضائية لا يتوقف عند منطوقها المباشر، بل يمتد إلى صيانة آثارها القانونية، وعدم إعادة إنتاج المراكز التي أبطلتها تحت مسميات أو تكييفات جديدة.
وهكذا، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق باسم المترشح الذي يعود إلى دائرة المنافسة، بقدر ما يتعلق بترسيخ ثقافة مؤسساتية تجعل من القانون مرجعا، ومن القضاء ضمانة، ومن الإرادة الانتخابية الحرة أساسا وحيدا لإسناد المسؤوليات المهنية في حدود المشروعية.
فحين ينتصر القضاء للمركز القانوني الصحيح، فإنه لا ينتصر لشخص في مواجهة آخر، وإنما ينتصر للقاعدة القانونية التي تحمي الجميع.
مشاهدة المزيد ←







