الدكتور العبوشي من مراكش :المغرب يعرف عودة للفاعل المحلي بعد ادراك الدولة المركزية فشلها في مهمة تحقيق التنمية الترابية

الدكتور العبوشي من مراكش :المغرب يعرف عودة للفاعل المحلي بعد ادراك الدولة المركزية فشلها في مهمة تحقيق التنمية الترابية

توفيق عطيفي – مراكش الان
استهل الدكتور الحسين العبوشي أستاذ علم السياسة بجامعة القاضي عياض، مداخلته بتفكيكه لبنية المفاهيم المكونة لعنوان مداخلته” الجماعات الترابية والديموقراطية التشاركية والتشاور العمومي: ملاحظات أولية”، حيث وقف عند مفاهيم أساسية: الديموقراطية التشاركية، الجماعات الترابية والتشاور العمومي، وأكد ان الدولة المغربية اليوم تعطي الأهمية لما هو محلي او ما اسماه “العودة الى المحلي” بمنهجية ورؤية مختلفة عن العلاقة التي كانت تقوم بين الفاعل المركزي واشكالية التنمية، وذلك بعد اعتراف الدولة المركزية بفشلها في تحقيق التنمية الترابية، وشدد ان العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية عرفت تحولا نوعيا على مستويات متعددة والذي يتمثل في محاولة لنقل مجموعة من الصلاحيات واختصاصات الدولة المركزية الى الجماعات الترابية سيما على مستوى الجهات، الا أن هذه المحاولة يطبعها نوع من القلق وتوثر وعلاقة عصية، نريد فعلا جهوية متقدمة وتحويل الاختصاصات لكن الدولة لا زالت حاضرة بقوة ثقلها وهو الأمر الذي يظهر بالملموس في القانون التنظيمي للجهات، من خلال وجود 72 تدخل للوالي باعتباره ممثلا للدولة على مستوى الجهة. على مستوى النظام المعياري هناك تطور من خلال مجموعة من المبادئ والاليات التي جاء بها الدستور 2011 كالتدبير الحر، مبدأ التفريع، التضامن واعطاء سلطة تنظيمية للجماعات الترابية، وجعل الجماعات الترابية مساهما في اعداد السياسات العامة من خلال مجلس المستشارين، وهذا فصل مهم في الدستور.
وطرح الدكتور العبوشي فرضية أساسية مفادها: ان الدستور الجديد عرف تجاوزا لمبدأ فصل السلط في بعده الكلاسيكي، القائم على فصل السلط الثلاث التنفيذية، التشريعية والقضائية الى الفصل العمودي او الفصل الترابي للسلط من خلال نقل الاختصاصات والموارد، وهنا استحضر النموذج الايطالي، حيث ان ما بين 40 بالمائة و 50 بالمائة من ميزانية الدولة توجه للجهات وبالتالي لا يمكن الحديث عن مبدأ فصل السلط الا بتمكين الجهات من موارد حقيقية. بالموازاة مع ذلك اصبحت للجماعات الترابية قدرة ولها امكانياتها البشرية والمالية رغم محدوديتها وباطار قانوني، فان لها القدرة على تعبئة مواردها وتعبئة عناصر النسق الاداري لإنتاج برامج ومخططات التنمية، وهنا يمكن التفكير في نقل التنمية من المركز الى المحلي، والذي يبرر هذا ويشهد له هو أننا نرى وزراء يتقدمون للترشح على مستوى الجهات لتولي منصب رئاسة الجهة (انتقال الفاعل المركزي الى المحلي) وهو ما يعني ان مستقبل ورهان المغرب هو ورش الجهوية. وبالرجوع الى الوثيقة الدستورية، نجد أنها تتضمن ثلاث انماط من الديموقراطية: التشاركية المواطنة والتمثيلية القائمة على مبدأ فصل السلط مما يجعلنا نقول بأننا امام محاولة تجميع ثلاث أو اربع انماط من الدساتير، دستور فصل السلط، دستور صك الحقوق والحريات، دستور مؤصل لدور المجتمع المدني ثم دستور السياسات العمومية، من منطلق ان دستور 2011 هو دستور البرامج اكثر منه دستور القوانين. من الناحية الاجرائية العملية نجد ان الفصل 12 من دستور 2011 ، حدد وأعطى لجمعيات المجتمع المدني ادواره واليات الاشتغال، نتحدث عن هيئات التشاور (الفصل 13)، ملتمسات الرقابة (الفصل 14)، رفع العرائض (15)، اليات وهيئات التشاور (الفقرة الاولى من الفصل 139) وعن العرائض، بالنسبة لهيئة التشاور، وحتى لا يحصل نوعا من الخلط، فهيئات لتشاور في تصورها الأولي كانت عرضانية، الا أن الحوار الوطني أوصى في تصوره بهيئات تشاورية قطاعية حاضرة حيثما وجدت المؤسسات العمومية سواء كانت مؤقتة أو دائمة لكن المهم أن تحقق أهداف الديموقراطية التشاركية ( التشاور، الحوار، الانصاف والمساهمة فيه). المرحلة التي نعيشها هي لحظة تأسيسية فيما يتعلق بالممارسة والقانون أولا، وأَضاف انه اذا حكمنا المنطق في الدستور المغربي نجد أنه اوجد اليات الديموقراطية التشاركية ( هيئات التشاور، عرائض في الجماعات الترابية، ملتمسات…) وهو ليس بدعة مغربية لأنها موجودة في البلدان والديموقراطيات الغربية، وبالتالي المنطق اننا نتوفر على هذه الاليات التشاورية، لكن حينما نفكر في هذه الاليات التي توجد في المانيا وسويسرا والبرتغال، نجد أنها أجابت عن الاسئلة المتواجدة عند هذه الدول، لكن اذا جئنا بها للمغرب من أجل أن تجيب عن اسئلتنا، نجد أن الديموقراطية التشاركية كمقارنة استطاعت أن تجيب للدول المذكورة عن اشكالاتها وانتظاراتها ولكن بالنسبة لنا فنحن نستأنس بتجاربهم من أجل فهم منطق اشتغال هذه الاليات، هنا حصل عندنا سوء الفهم، بين من يريد ان يحولها الى “اجموع” للتباكي وبين من يريدها في اتجاه السيادة للأمة، عندما نفكر في الية من هذه الاليات لا ينبغي أن نفصلها عن اطارها الفلسفي والنظري، والا فانها ستكون فارغة من المعنى وتصبح ممارسة مشوهة قد تنتج “تراجيديا’ كما قد تعطينا ‘كوميديا’. اذا استحضرنا التجارب التي ذكرناها، نجد أنه لا يمكن أن نقيم أو نعتمد على اليات تتناقض مع منطق الدولة la logique de l’État ، والا فان الفلسفة الناظمة لمنطق الديموقراطية التشاركية لها معنى اخر، اذا هناك سؤال وجيه وهو: هل حافظت القوانين التنظيمية على روح ومعنى الديموقراطية التشاركية، كما نص عليها الدستور والذي يتميز بالانسجام بخصوص هذه النقطة، حيث نص عليها في الديباجة والحديث عن حق المواطنات والمواطنين في تقديم العرائض، الا أنه اذا جئنا للقوانين التنظيمية، نجد أن السقف هابط، وبالتالي كسؤال: هل حافظت الأنظمة الداخلية للجماعات الترابية على القوانين التنظيمية؟ ماذا اعدت الجمعيات من تصورات وأفكار للتعاون مع هذه الاليات؟ اولا بخصوص المنطق الفلسفي الذي يحكم اليات التشاور والديموقراطية التشاركية، فالأليات التي تحدثنا عنها سابقا لها أهداف، الانتخابات ليست اداة، بل انها الية نعيد بها التأسيس لعلاقة الثقة بين المجتمع والدولة وهي عنصر أساسي في التنمية، والمقاطعة تشكل خطرا لأنها تؤسس لعلاقة غامضة في علاقة الدولة بالمجتمع، وهنا أزمة المشروعية في الاليات والمؤسسات والأشخاص، مما يقتضي اعادة النظر في أدوات الاشتغال. في التجارب الانتقالية عدم الانخراط في المؤسسات يخلق ازمة وخوف العودة الى السلطوية، فهذه الاليات هي بمثابة ميكانزمات لشرعنة جديدة للقرار العمومي وتقليص كلفة هذا القرار، بالعودة الى هيئة التشاور الموجودة في الجماعات الترابية (وهي ثلاثة انواع على مستوى الجهة نموذجا: هيئة التشاور بشراكة مع فعاليات المجتمع المدني، هيئة استشارية خاصة بقضايا ةاهتمامات الشباب وهيئة استشارية خاصة بالفاعلين الاقتصاديين)، واعطى القانون التنظيمي المنظم للجهات للمجالس الجهوية سلطة تسمية وتحديد الهيئات الاستشارية وكيفية اشتغالها وهو أمر خطير، لأنه هل نتوفر على ناخبين قادرين على صياغة هذه الاليات وبناء تصورات لها؟ وهو نفس الأمر بالنسبة للعمالات والاقاليم.
الخلاصة وهي اننا اذا أخذنا هذه القوانين وهذه النصوص (الدستور والقوانين التنظيمية…) والأنظمة الداخلية التي أجرأت هذه القوانين التنظيمية، نجد أن هناك انحراف على فلسفة واليات التشاور، والتي تعني مأسسة العلاقة بين الدولة والمجتمع، خلقنا اليات لكن ما محل المأسسة؟ حينما اقدم عريضة، فينبغي لرئيس الجماعة الترابية ان يستدعي مقدم العريضة للترافع على عريضته، وليس العمل بمنطق”سأخلق هيئات التشاور وجعلها شكلية”، نقول هذا لأن الجماعات الترابية خلقت هيئات التشاور سلفا ولم تشاور اي أحد وبالتالي ستفرض أجندتها على المجتمع المدني، ثانيا لا وجود للانتقائية، حيث الفاعلين الاقتصاديين يشتغلون لمفردهم والشباب لوحده، المستوى الثاني وهو الموارد فلا نتوفر على موارد كافية وقادرة على ضمان السير العادي لهذه الهيئات التشاورية، وأي ضمانات لمخرجات هذه الهيئات التشاورية وهل يمكن الاخذ بها في صناعة القرار العمومي. وختم الدكتور العبوشي مداخلته بالتأكيد ان استحضار هذه الاختلالات ليس للتقليل من قيمة التطورات الحاصلة والمكتسبات التي تحققت، بل فقط الوقوف عندها كمدخلات لتجويد المستقبل، وقال بأن أهمية اليات الديموقراطية التشاركية في المشاورات العمومية تكمن في الدفاع عن مجموعة من المكتسبات.

videossloader مشاهدة المزيد ←