أراء | الأربعاء 1 يونيو 2022 - 10:26

 

الدكتور بنطلحة يكتب: مأساة محتجزي تندوف

  • Whatsapp

الدكتور محمد بنطلحة الدكالي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش

أعاد انقلاب شاحنة محملة بزيوت المساعدات الإنسانية، قرب مدينة الزويرات الموريتانية، وهي قادمة من مخيمات تندوف، في طريقها لبيع حمولتها بأسواق الدول المجاورة، (أعاد) قضية تهريب المساعدات الموجهة أساسا للمحتجزين بتلك المخيمات إلى دائرة الضوء.

هذه التجارة الدنيئة التي تجني من ورائها عصابة الرابوني أرباحا طائلة، في تنسيق تام مع أولياء أمرهم، جنرالات القوة الضاربة حيث إنهم يتعمدون التضليل الممنهج حول العدد الحقيقي للمحتجزين بمخيمات تندوف.

إنه اختلاس مفضوح للمساعدات الإنسانية، أدى إلى تفاقم الأوضاع الهشة بالمخيمات، وهذا ما أشارت إليه العديد من التقارير والتحقيقات الدولية التي أثبتت وبالدلائل القاطعة سوء استغلال المساعدات الإنسانية،  بل إن الأمين العام للأمم المتحدة قد سبق أن نبه في تقريره إلى مجلس الأمن إلى أن المفوضية السامية لحقوق الإنسان قد تلقت معلومات من منظمات غير حكومية بأن البوليساريو تتلاعب في المساعدات.

كما أن المكتب الأوربي لمكافحة الاحتيال أبلغ عن اختلاسات كبيرة للمساعدات الإنسانية من طرف “قادة” البوليساريو، والمسؤولين الجزائريين، وتطرقت إلى هذا الموضوع كذلك تقارير التفتيش الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، حيث أشارت إلى الوضع البئيس والظروف اللاإنسانية التي يرزح فيها المحتجزون، حيث تسود الهشاشة والجوع والأمراض والقمع والتعذيب والقتل والحرمان من أبسط الظروف الإنسانية.

وحسب القانون الدولي، نجد أن النظام الجزائري مسؤول مباشر عن حياة هؤلاء المحتجزين على أرضه، وعلى ضمان الحماية الإنسانية لهم، وهو يتحمل كامل المسؤولية مما يتعرضون له من تقتيل وتعذيب ممنهج وانتهاك صارخ وجسيم لحقوق الانسان.

إن المادة 14 من البرتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 تمنع تجويع المدنيين وتمنع حرمانهم من وصول المواد الضرورية لبقائهم على قيد الحياة. كما أن البرتوكول الإضافي الأول لعام 1977 يقضي بأن توفر مواد الإغاثة والأدوية والمواد الأساسية الضرورية من أجل بقاء المحتجزين على قيد الحياة.

إننا أمام جريمة كاملة الأركان ضد الإنسانية، مما يستدعي تحريك آليات المتابعة الجنائية الدولية لانتهاكها لمقتضيات القانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1944 التي تمثل مرجعية أساسية لضمان حماية المدنيين المحتجزين بمخيمات تندوف، كما يمكن للمحاكم الوطنية للدول الأطراف في اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية والتي تأخذ بمبدأ الاختصاص الوطني الشامل، محاكمة “قادة” البوليساريو بسبب ارتكابهم لجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب المنصوص عليها في المادة الخامسة من النظام الأساسي لاتفاقية المحكمة الجنائية الدولية.

ونجد أن مسؤولية الجزائر ثابثة بموجب القانون الدولي الإنساني طبقا للمادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة، حيث يلزم على الدول الأطراف أن تحيل المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب فوق أراضيها إلى محاكم وطنية أوتسليمهم، كما أن المادة 73 من البرتوكول الإضافي الأول تذهب إلى أبعد من ذلك وتمنح المدنيين وضعية خاصة، أي أنهم يتمتعون بالحماية الإنسانية التي تضمنها مقتضيات القانون الدولي الإنساني من طرف الدولة المضيفة أو دولة الإقامة في كل الظروف وبدون أي تمييز.

إن الاستيلاء على المساعدات الدولية الموجهة للمحتجزين يعتبر في إطار القانون الدولي الإنساني جريمة ضد الإنسانية، وعلى مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلزام الجزائر بتقديم تفسيرات واضحة حول ما يجري فوق أراضيها من انتهاكات، كما يجب أن يفرض عليها إحصاء عدد المحتجزين، لأن التماطل في هذا الموضوع يعتبر استخفافا بالمنتظم الدولي، ويشكل انتهاكا خطيرا لالتزاماتها الدولية ولقرارات مجلس الأمن منذ 2011 . كما يجب على الجزائر أن تتحمل كامل مسؤوليتها في إيواء جماعة انفصالية مسلحة، لها صلات وثيقة بالجريمة المنظمة الدولية والإرهاب في المنطقة.