أراء | الإثنين 13 مايو 2024 - 19:14

الدكتور بنطلحة يكتب: خطاب تبون والحرب على الوعي

  • Whatsapp

د. بنطلحة الدكالي – مدير مركز الابحاث والدراسات حول الصحراء

يتمثل الوعي في إدراك الواقع والحقائق التي تجري من حولنا، والتي يصل إليها العقل من خلال تفاعل الفرد مع المحيط عن طريق الإدراك الذاتي والعقلي من خلال مجموعة من التجارب التي تشكل مفاهيم الفرد حول محيطه، مما يجعله أكثر قدرة على إجراء المقاربات والمقارنات واتخاذ القرارات.

والوعي حسب الفيلسوف الفرنسي « برجسون » ليس ذا طابع، إنما هو إدراك للذات والأشياء في ديمومتها وهو انفتاح على الحاضر والماضي والمستقبل.

ونجد أن الوعي قد يتعرض لمحاولة تزييف خاصة في زمننا المعاصر من أجل السيطرة على الوعي الجمعي في سبيل إنتاج وعي مزيف تدعمه بقوة آلة إعلامية رهيبة ووسائل التواصل الاجتماعي ومحترفي الإشاعة.. حيث يتلقف الفرد سلسلة من المعلومات من أجل تزييف الواقع حتى تصل الشعوب إلى حالة من التشكيك والتي يمكن أن تهدد التماسك الاجتماعي.

إن الحرب على الوعي تأتي ضمن سياق التحكم في أفكار وسلوكات الجماهير والسيطرة على العقول.

ومن بين الحروب على الوعي ذات التأثير الكبير في واقعنا تلك الخطابات السياسية العصماء لبعض قادة الدول والتي تهدف إلى شن حملات على الذاكرة وحملات التأثير وهي من أنواع الحروب الحديثة التي تندرج في إطار الحرب النفسية، ومن أهم أساليبها القفز على الحقائق الموجودة على أرض الواقع وخلق قصص بالية وتزييف الوقائع وتحريفها والمبالغة في التمسح بالقيم الإنسانية والأخلاقية.

مناسبة هذا الكلام خطاب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الذي ألقاه من مقر وزارة الدفاع الوطني حيث صرح بدون حياء أوخجل أن » الجزائر دولة مسالمة وتحترم كل الدول ولن تكون تابعة لأي قوى دولية كما أنها سيدة قراراتها »، منوها بعلاقات الجزائر » الطيبة » مع محيطها الإقليمي والدولي والاحترام الكبير الذي تحظى به حتى من طرف خصومها وأن بلاده » لا تحب الحرب ولن تدخلها » كما برر شراء الأسلحة كونه يسعى فقط لأجل الحفاظ على أمن بلاده واستقرارها.

إن هكذا خطاب نعتبره بمثابة حرب على الوعي الجمعي المغاربي المراد منه أهداف أخرى غير معلنة.

إنه وحين يدعي النظام العسكري الجزائري تلك الأسطوانة المشروخة كونه لا يريد الإساءة للمغرب، حري بنا أن نذكره أن العقيدة الايديولوجية الثابتة لحكام الجزائر هي العداء الشديد للمملكة المغربية والبحث عن كل الوسائل لزعزعة استقرار المغرب.

العسكر الجزائري هو الذي أنشأ عصابة البوليساريو ومولها بالعتاد والسلاح وشراء الذمم والأصوات من قوت الشعب الجزائري الشقيق المغلوب على أمره، وبعد فشله في مسعاه مع هاته الشرذمة الانفصالية وانجلاء شمس الحقيقة واصطفاف المشروعية الدولية إلى جانب المملكة المغربية الشريفة، ها هو يقوم حاليا بجمع شتات بعض الدمى وأغلبهم تجار مخدرات وأصحاب سجلات عدلية وفارين من العدالة من أجل تأسيس » حزب » يطمح إلى انفصال منطقة الريف كما يتوهمون.

إن احترام دول الجوار السيد الرئيس يكمن في احترام سيادتها، وهذا ينطبق على المملكة المغربية وعلى كل دول الجوار دون أن ندخل في تفاصيل ما يقع في شمال دولة موريتانيا الشقيقة والحدود مع مالي والنيجر وليبيا.. والقائمة طويلة.

الاحترام السيد الرئيس يكمن في عدم خلق الجماعات الانفصالية والتنظيمات ذات الأجندة التخريبية لتغذية الانقسامات وزرع الفتنة بين الشعوب.

إننا نعيش زمن عولمة الصورة والمعلومة، والكل يشهد أن المملكة المغربية بقيادة ملك البلاد هي من تحرص على اليد الممدودة مستحضرين في ذلك الدم والدين والتاريخ المشترك بدون توظيف سياسوي.

إن النظام الجزائري يتميز باللعب على الحواس وإثارة العواطف عبر الترويج لـ »مكة الثوار » ونصرة « القضايا العادلة » وأسطورة دم الشهداء وقدسية الجماجم من أجل إلهاء الشعب الشقيق وترويضه وتحجيم أي محاولة لكسر عصا الطاعة للجنرالات، وهو نظام مهووس بقلب حقائق التاريخ لذا يمحو ما قبله ويكتب فقط وفق إرادته، يمارس هواية التزييف والتضخيم والإنكار، مستعينا بأشباه مؤرخين حتى يكونوا شهود زور في حفل تنكري من أجل تغذية المخيال الشعبي الجزائري بالعديد من الخرافات والأساطير.

إنه نظام مهووس بلعبة » تبادل الأدوار » بل بات يتقنها أبطاله إلى درجة التماهي مع الشخصيات وفق مدرسة مسرح الطريقة الروسي الذي نظر له استانلافسكي والتي تؤكد على ضرورة أن يتماهى الممثل مع الشخصية/ الدور، وفق أبعادها الثلاث بل هناك من يشبه لعبة » تبادل الأدوار » بما وقع في الأسطورة الإغريقية حيث الاله جانوس ذي الوجهين.

لقد اغتال العسكر الخيال الجماعي والإبداع الإنساني في مختلف تجلياته، وثمة خوف وقلق ورهبة تسود المجتمع. إن ما يقع يشبه كثيرا أوضاع أمريكا اللاتينية في القرن الماضي، لأن ثمة ما حصل عندهم ويحصل عند الأشقاء حين يقمع الرأي ويصير الاختلاف جرما، كما كتب عن ذلك ماركيز ويوسا وإيزابيل الليندي وغيرهم.. لكن ما أثارني في هذا الأدب اللاتيني، هو تيار « الواقعية السحرية » الذي رصد التغيرات التي مرت بها مجتمعات هذه المنطقة، ونجد أبرز معبر عن ذلك الواقع يكمن في رواية « الفردوس على الناصية الأخرى » للكاتب البيروفي ماريو برجاس يوسا، والعنوان مأخوذ من لعبة أطفال حيث يقف الطفل على دائرة ويقول لزملائه (هل الفردوس هنا؟) فيجيب زملاءه (كلا ياسيدي، جرب مرة أخرى فربما الفردوس على الناحية الأخرى..!) أما فردوس هذه الرواية المقصود هو السعادة في أبهى تجلياتها التي يضيع المرء في البحث عنها وهي تنتظره في الناحية الأخرى…

أيها الأشقاء… خلاصكم يوجد في الناصية الأخرى، ناصية الحرية والديمقراطية ودولة المؤسسات واحترام الذاكرة وعدم القفز على الحقائق… نعم إنها طريقكم إلى الخلاص حتى لا يتجاوزكم التاريخ…!!