الدكتور بنطلحة يكتب: انتصارات تفوق حسابات الفوز والهزيمة

الدكتور بنطلحة يكتب: انتصارات تفوق حسابات الفوز والهزيمة

د. محمد بنطلحة الدكالي – مدير مركز الابحاث والدراسات حول الصحراء

انتهت كأس إفريقيا للأمم التي احتضنها المغرب دون أن يتوج المنتخب الوطني باللقب، وهي حقيقة رياضية لا تقبل التأويل، تحكمها طبيعة اللعبة ومنطقها القائم على الاحتمالات والتفاصيل، غير أن الاقتصار على قراءة هذه التجربة من زاوية النتيجة وحدها يظل اختزالا قاصرا، لأنه يغفل جوهر ما تحقق، ويتجاهل ما راكمه المغرب من مكاسب أعمق وأدوم من كأس ترفع أو مباراة تحسم.

منذ انطلاق المنافسات، بدا واضحا أن الرهان لم يكن لحظة عابرة، بل ترجمة عملية لرؤية تعتبر الرياضة جزء من مشروع أشمل، يرتبط بالتنمية وبالصورة والمكانة.

على مستوى التنظيم، قدم المغرب نموذجا يعكس نضج التجربة وقوة التحضير: بنية تحتية متينة، ملاعب بمعايير دولية، وجانب أمني على أعلى مستوى، وحسن استقبال يعكس قيما راسخة في ثقافة بلدنا. لم يكن ذلك وليد ظرف استثنائي، بل ثمرة تراكم طويل. وبهذا، لم تكن البطولة مجرد حدث رياضي، بل واجهة لقدرة مؤسساتية أثبتت انسجامها وفعاليتها.

لقد رسخ المغرب معيارا جديدا لما يمكن أن تكون عليه بطولة إفريقية بمعايير القرن الواحد والعشرين.

وعلى مستوى الصورة الخارجية، حقق البلد مكسبا أعمق، ملايين المتابعين وقفوا على نموذج دولة مستقرة منفتحة، قادرة على التنظيم، وواثقة في إمكاناتها. هذا الرصيد لا يندرج في خانة الرمزية فقط، بل يدخل في صميم التنافس الدولي حيث تقاس الدول بقدرتها على الاستضافة، وبمصداقيتها، وبجاذبيتها الاقتصادية والسياحية. من هذه الزاوية، خرج المغرب أكثر حضورا وتأثيرا، بصرف النظر عن نتيجة المستطيل الأخضر.

أما على الجانب الرياضي، فلا يمكن إنكار التزام اللاعبين ولا روحهم القتالية. لقد خاضوا المنافسة تحت ضغط الأرض والانتظارات، وصمدوا حتى اللحظات الأخيرة. الخسارة، حين تأتي بعد هذا العطاء، لا تعني إخفاقا بقدر ما تكون عنوانا للبطولة والشرف،

كما أن المدرجات عكست بدورها وجها مشرفا، حيث قدم المشجع المغربي مثالا في المسؤولية والانضباط بتشجيعه الحماسي المنظم وسلوكه الحضاري.

في المقابل، كشف هذا الارتقاء التنظيمي عن فجوة عميقة بين منطق يجاري أعلى المستويات، وعقليات ما زالت تعيش خارج الزمن، تؤمن بالسحر الأسود والشعوذة وحب العيش في المستنقعات، تبحث عن تعويض الفشل بإثارة الفوضى والشغب والتخريب، وتجاوز أبسط قواعد اللعب النظيف.

لقد ارتفع مستوى التنظيم والمؤسسات إلى درجة تجاوزت هذه الذهنيات التي لم تستوعب بعد معنى المنافسة الشريفة. وما صدر عن بعض السلوكات، ومنها ما قام به مدرب المنتخب السينغالي، لم يكن احتجاجا رياضيا ولا تعبيرا عن انفعال لحظي، بل بدا وقبل إجراء المقابلة، تصرفا مقصودا لتسميم الأجواء، وكأنه مكلف بمهمة قذرة تهدف إلى جر البطولة نحو مستنقعات الفوضى. غير أن هذه الأساليب لم تمس جوهر النجاح، بل كشفت أن الصراع الحقيقي لم يعد حول النتائج، بل حول مستوى الوعي واحترام القانون وأخلاقيات الرياضة.

ومع حجم هذا النجاح التنظيمي والرمزي، لم يكن مستغربا أن تطفو محاولات تشويش وتشكيك. اتهامات مبطنة وحملات رقمية، وضغوط إعلامية سعت إلى تحويل الاستضافة إلى شبهة والإنجاز إلى محل اتهام. غير أن مثل هذه السرديات لا تستدعي ردودا انفعالية؛ فهي غالبا ما ترافق كل تجربة متميزة تقض مضجع أعداء النجاح.

التمييز هنا واضح بين نهجين: نهج دولة تراكم التقدم، وتشق طريقها بثبات؛ ونهج آخر يعلق إخفاقاته على شماعة المؤامرة أو البكاء على الأطلال.

إن غياب اللقب لا يمحو ما تحقق، انتهت المنافسة، لكن الرسالة ترسخت: المغرب ليس رقما عابرا في القارة، بل فاعل أساسي فيها؛ ليس مجرد منتخب، بل دولة قادرة على التنظيم والاستقبال وبناء الثقة.

إن مكاسب من هذا النوع لا تختزل في نيل الكؤوس، بل تدخل في إطار مسار تنموي طويل المدى.

في المحصلة، تبقى كرة القدم لعبة تحتمل الفوز والخسارة معا. أما الأثر الأعمق، فيتجسد فيما ينجز على الأرض. ومن هذا المنظور، لم تكن هذه المحطة خسارة، بل انتصارا إضافيا في مسار بلد اختار التقدم بالفعل، لا بالصخب.

videossloader مشاهدة المزيد ←