بنطلحة يكتب: تحولات الحرب في العصر الحديث.. من الصراع العسكري إلى استهداف الوعي

بنطلحة يكتب: تحولات الحرب في العصر الحديث.. من الصراع العسكري إلى استهداف الوعي

د. محمد بنطلحة الدكالي – مدير المركز الوطني للدراسات والابحاث حول الصحراء

حين كتب سون تزو Sun Tzu في كتابه فن الحرب (The Art of War) أن أسمى أشكال النصر هو الذي يتحقق دون قتال، لم يكن يقدم حكمة أخلاقية مجردة، بل كان يؤسس لمنطق استراتيجي عميق مفاده أن حسم الصراعات يبدأ بكسر إرادة الخصم وإرباك وعيه قبل إنهاك قدراته المادية. هذه الرؤية، رغم قدمها، لم تفقد راهنيتها، بل ازدادت حضورا في عالم اليوم بفعل التطور التكنولوجي والتشابك الإعلامي وتسارع تدفق المعلومات.

فالحرب لم تعد حدثا يعلن أو مواجهة تخاض في الميدان فقط، بل أصبحت عملية ممتدة تستهدف الإدراك والوعي باعتبارهما ساحة مركزية للصراع.

عبر التاريخ، تطور مفهوم الحرب بتطور المجتمعات وأدواتها. ففي مراحله الأولى، كان الصراع يقاس بالسيطرة على الأرض وبقوة الجيوش.

ومع بروز الدولة الحديثة، أضيف بعد جديد تمثل في التأثير النفسي والمعنوي، فظهرت الحرب النفسية والدعاية (Propaganda) كوسائل لتوجيه الرأي العام وكسر الإرادة الجماعية.

وخلال القرن العشرين، خصوصا في الحروب الكبرى والحرب الباردة، لعب الإعلام دورا حاسما في بناء السرديات وتشكيل التصورات الجماعية.

غير أن هذه الأشكال، رغم خطورتها، كانت ما تزال قابلة للتحديد نسبيا، إذ أمكن التمييز بين الفاعل والمتلقي، وبين الرسالة والوسيط.

هذا التوازن تغير جذريا مع الثورة الرقمية، التي وسعت ساحات الصراع وأدخلت العالم في نمط أكثر تعقيدا، حيث تداخلت المستويات التقنية والإعلامية والمعرفية في بنية واحدة.

في هذا السياق، يميز الباحثون بين ثلاثة مستويات مترابطة للصراع الحديث.

المستوى الأول هو الحرب السيبرانية (Cyber Warfare)، التي تستهدف الأنظمة والبنى التحتية الرقمية عبر الاختراق والتعطيل.

المستوى الثاني هو حرب المعلومات (Information Warfare)، حيث تستخدم المعلومة، سواء كانت صحيحة أو زائفة أو مجتزأة، للتأثير في فهم الواقع وإرباك الإدراك.

أما المستوى الثالث، والأعمق، فهو الحرب المعرفية أو الإدراكية (Cognitive Warfare)، التي يصبح فيها العقل البشري الهدف المباشر، وتستهدف أنماط التفكير، ومنظومات القيم، وآليات اتخاذ القرار.

وتتكامل هذه المستويات ضمن ما يعرف بـ الحرب الهجينة (Hybrid Warfare)، وهي نمط من الصراعات يمزج بين الضغط السياسي والاقتصادي، والهجمات السيبرانية، وحرب المعلومات، والعمليات النفسية (Psychological Operations – PsyOps)، وأحيانا التهديد العسكري غير المباشر.

ويتميز هذا النمط بقدرته على تذويب الحدود بين السلم والحرب، وبين المدني والعسكري، والعمل في مناطق رمادية يصعب ضبطها أو مواجهتها بالوسائل التقليدية.

في قلب هذا التحول، لم يعد الاستهداف موجها إلى المؤسسات أو الأحداث فقط، بل امتد إلى اللغة والرموز الجماعية وطريقة نظر المجتمعات إلى ذاتها. وتكمن خطورة الحرب المعرفية في كونها تضرب ركائز التماسك المجتمعي، مثل الثقة في الذات الجماعية، والهوية، والعلاقة بالمؤسسات. فعندما تصبح هذه الركائز موضع تشكيك متكرر، يتحول الاستهداف من فعل ظرفي إلى مسار بنيوي طويل الأمد.

تعتمد هذه الحروب على آليات دقيقة، من بينها التأطير المسبق (Framing)، وتكرار السرديات المبسطة، واستثمار الانحيازات المعرفية مثل تأثير وهم الحقيقة (Illusory Truth Effect)، حيث تميل الأذهان إلى تصديق الأفكار التي تتكرر، لا بالضرورة لأنها صحيحة، بل لأنها مألوفة. وبهذه الطريقة، لا يفرض الخطاب نفسه بالقوة، بل يتسلل تدريجيا ليصبح جزءا من الإطار الإدراكي اليومي.

أمام هذا الواقع، لا تتحدد المواجهة في ردود فعل آنية أو خطاب مضاد مباشر، بل في بناء مناعة معرفية طويلة النفس. فعلى المستوى الفردي، تقوم هذه المناعة على الوعي النقدي، وضبط التفاعل، والقدرة على التمييز بين المعلومة والخطاب المؤثر.

وعلى المستوى المجتمعي، ترتكز على ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز التربية الإعلامية، وتطوير الحس الجماعي تجاه المخاطر غير المرئية التي تستهدف الإدراك.

أما على المستوى المؤسساتي، فتتجسد في استمرارية السياسات، ووضوح التواصل، وبناء الثقة بوصفها عنصرا أساسيا للاستقرار.

في عالم لم تعد فيه الحروب تعلن، ولم يعد السلاح معيارها الوحيد، أصبح الوعي الجماعي مجالا استراتيجيا بامتياز. غير أن هذه الحقيقة لا تعني الهشاشة بالضرورة، بل تبرز في المقابل أن المجتمعات التي تمتلك رصيدا حضاريا متينا، وهوية راسخة، وعلاقة مستقرة مع مؤسساتها، تكون أكثر قدرة على الصمود أمام هذه التحديات.

فالمناعة في زمن الحروب الهجينة لا تقوم على الانغلاق أو الإنكار، بل على الوعي، والتماسك، والثقة التي تجعل محاولات الاختراق أقل تأثيرا وأكثر قابلية للاحتواء.

videossloader مشاهدة المزيد ←