الدكتور بنطلحة يكتب: الجماجم الجزائرية والذاكرة المغتصبة .. “كرامة الموتى” لا تصان بالشعارات

الدكتور بنطلحة يكتب: الجماجم الجزائرية والذاكرة المغتصبة .. “كرامة الموتى” لا تصان بالشعارات

د. محمد بنطلحة الدكالي – مدير المركز الوطني للدراسات والابحاث حول الصحراء

في رواية “خبز الفرنسيين” (Le Pain des Français) الصادرة سنة 2025، يخاطب الكاتب الفرنسي من أصل جزائري كزافييه لوكلير (Xavier Leclerc) الطفلة القبائلية “زهرة”، التي قتلت سنة 1845 وعثر على جمجمتها في محفوظات متحف الإنسان بباريس، قائلا:

«Zohra… au fond tu ne sais pas mourir comme moi je ne sais pas vivre»

” زهرة… أنت لا تعرفين كيف تموتين، مثلما أنني لا أعرف كيف أعيش”.

هذه العبارة ليست مجرد صياغة أدبية، بل هي مفتاح فهم القضية كلها؛ فالمقصود ليس أن الطفلة تجهل الموت، بل إن موتها لم يكتمل لأنها لم تدفن بكرامة كإنسانة، وحفظت كقطعة في الأرشيف. لذلك، تبدو كأنها حرمت من موت حقيقي، فيما يعترف هو بأنه عاجز عن عيش حياة كاملة، ما دام هذا الماضي يثقل كاهله ويحرمه السكينة. وبذلك، يلمح النص إلى فكرة واضحة:

ذاكرة الموتى لا تصان بالشعارات بل بالأفعال، ومن يعجز عن إغلاق جراح موتاه يظل أسير ذاكرة جريحة وتاريخ لم تتم تسويته بعد..

هذه الصورة الأدبية تقود مباشرة إلى واقع مؤلم، متحف الإنسان في باريس يحتفظ بما يقارب 500 إلى 536 جمجمة ذات أصل جزائري، تعود نسبة معتبرة منها إلى القرن التاسع عشر، زمن الاحتلال الفرنسي، حين كانت رؤوس بعض القتلى تؤخذ أحيانا كغنائم حرب أو مواد للدراسة الأنثروبولوجية في سياق النظريات العرقية آنذاك. وقد عاد الملف إلى الواجهة سنة 2011 عندما كشف الباحث الجزائري علي فريد بلقاضي عن وجود جماجم لمقاومين داخل مجموعات المتحف، فأطلق عرائض ودراسات أعادت القضية إلى النقاش الأكاديمي والإعلامي، ثم تعزز الضغط بحملات جامعية وحقوقية؛ منها عريضة سنة 2016 التي وقعها نحو 30 ألف شخص، وبيانات لمؤرخين طالبوا بإعادة الرفات ودفنه بكرامة.

تحت هذا الضغط تحرك المسار السياسي، في دجنبر 2017 أبدت فرنسا استعدادها لإعادة الجماجم في إطار ما يُعرف بالفرنسية بـ travail de mémoire (ملف الذاكرة)، وقدمت الجزائر طلبا رسميا سنة 2018. وبعد تشكيل لجنة علمية مشتركة، أعلن في 3 يوليوز 2020 نقل 24 جمجمة إلى الجزائر في مراسم رسمية حضرها كبار المسؤولين، وسط طقوس احتفالية جسدت أقصى درجات التعظيم والتبجيل. لقد استقبلت التوابيت ملفوفة بالأعلام ومحمولة من لدن حرس شرف عسكري مع إطلاق إحدى وعشرين طلقة مدفعية، بينما كان سرب طائرات يحلق فوق المطار، ثم عرضت في قصر الثقافة قبل أن تدفن في 5 يوليوز — يوم الاستقلال — في مربع الشهداء بمقبرة العالية بوصفها رفات “أبطال المقاومة الشعبية”. من بين الأسماء التي جرى الترويج لها شخصيات تاريخية مثل الشيخ بوزيان قائد ثورة الزعاطشة سنة 1849 والشريف بوبغلة وغيرهما من رموز انتفاضات القرن التاسع عشر.

غير أن صورة هذه الأجواء الاحتفالية اهتزت بعد سنتين فقط، فقد كشفت تحقيقات صحافية دولية سنة 2022 أن الصورة كانت أكثر تعقيدا، إذ نقلت The New York Times (17 أكتوبر 2022) أن “ستة فقط من الجماجم المعادة حددت بوضوح كمقاومين. أما البقية فغير مؤكدة أو من أصول ملتبسة، ومن بينهم سجناء وثلاثة جنود جزائريين خدموا في الجيش الفرنسي”، مضيفة أن جميع تلك الجماجم لا تزال قانونيا ملكا لفرنسا رغم تسليمها، وأن الحكومتين لم تصرحا بهذه التفاصيل علنا في وقت كانتا تسعيان فيه إلى جني مكاسب دبلوماسية من العملية. وقد أكدت Le Monde (21 أكتوبر 2022) بدورها أن “رفات ثلاثة من المساعدين في الجيش الفرنسي دفنوا في الجزائر مع مقاومين”؛ بينما خلصت صحيفة La Croix (18 أكتوبر 2022) إلى أن “ستة فقط من الجماجم المستردة كانت لمقاومين”، مشيرة إلى أن من بينها “لصوصا مسجونين وثلاثة مشاة جزائريين خدموا فعليا في الجيش الفرنسي ضمن وحدات الرماة (tirailleurs) ووحدات الزواف (zouaves) التي كانت في خدمة الاستعمار”.

وقد بلغ الجدل مؤسسات القرار في فرنسا نفسها، حيث وجهت السيناتورة كاثرين موران-ديسايي (Catherine Morin-Desailly) انتقادات صريحة داخل مجلس الشيوخ إلى سلامة الإجراءات والصفة القانونية للعملية، متسائلة عن سبب اعتماد صيغة “الإيداع” بدل “الاسترداد” وعن مدى اكتمال التحقق العلمي من الهويات ودور البرلمان في مراقبة مثل هذه الملفات الحساسة. وأبرز النقاش أن الجماجم لم تسترد قانونيا؛ بل أودعت في الجزائر بعد تشكيل لجنة مشتركة استمر 18 شهرا وحدد 24 جمجمة قابلة للتسليم من أصل 45، غير أن السيناتورة عقبت بأن الاستعجال الدبلوماسي قطع عمل اللجنة العلمية وأقصى البرلمان ووزارة الثقافة، مطالبة بإعادة تنظيم الملف على أسس قانونية وعلمية واضحة.

ومن هنا، تحديدا برز البعد القانوني بوصفه الحلقة الحاسمة في القضية؛ فحسب القوانين الفرنسية الخاصة بالمجموعات الوطنية، لا يمكن نقل ملكية الرفات نهائيا إلا بقانون يصوت عليه البرلمان. لذلك، سلمت الجماجم في صيغة إيداع مؤقت لخمس سنوات قابلة للتجديد، لا استرجاع نهائي. وقد جاء القانون الفرنسي رقم 2023-1251 الصادر في 26 دجنبر 2023 ليضع إطارا عاما لإعادة البقايا البشرية الموجودة في المجموعات العامة، مشترطا طلبا رسميا دقيقا وإثباتات علمية؛ ما جعل أية عملية جديدة رهينة ملفات موثقة لا مبادرات رمزية فقط.

أما أحدث المعطيات حتى بداية 2026 فتؤكد أن النظام الجزائري لم يحرك ساكنا، وأن القضية لا تزال في حالة جمود، إذ لا توجد أية إعادة جماعية جديدة منذ 2020. وقد أعادت رواية لوكلير سنة 2025 إشعال النقاش، خصوصا أنها أعادت إلى الواجهة قصة الجمجمة الحقيقية التي ألهمت شخصية “زهرة” الرمزية، بالتوازي مع حملات مدنية وعرائض تطالب بإعادة رفات الجزائريين مجهولي الهوية، وتجمع احتجاجي نظمته الجالية الجزائرية في باريس يوم 15 فبراير 2026 للمطالبة بإعادة كل الجماجم. كما دعت شخصيات سياسية فرنسية، مطلع 2026، إلى إعادة شاملة للرفات والممتلكات الثقافية باعتبارها خطوة أولى نحو تسوية الذاكرة. ومع ذلك، تشير ردود رسمية إلى عدم وجود طلب جزائري مفصل يستوفي الشروط العلمية المطلوبة بعد قانون 2023؛ بينما يصر المتحف على أن أية إعادة إضافية تتطلب ملفات دقيقة وتحاليل إثبات.

وهكذا، يتضح أن القضية لم تكن مجرد حكاية جماجم مخزنة في متحف؛ بل امتحانا صريحا لمصداقية نظام يرفع راية “المبادئ الثورية” ويلجأ إلى المزايدة بذاكرة الشهداء وتضخيم أعدادهم، إلى أن ظهر ــ في ضوء ما كشفت عنه تحقيقات صحفية دولية ــ عاجزا حتى عن التحقق ممن كرمهم، حين تحولت مراسم تأبينية مهيبة إلى مشهد بائس اختلط فيه رفات من نعتوا بالأبطال بآخرين قيل إنهم مجهولو الهوية أو خدموا في صفوف الاستعمار.!

وهنا، لا يعود السؤال عن الذاكرة فحسب؛ بل عن شرعية من يدعي تمثيلها والتحكم في روايتها…!

videossloader مشاهدة المزيد ←