الساعة الإضافية.. هل توقيع عريضة إلكترونية يكفي لتعديلها؟

الساعة الإضافية.. هل توقيع عريضة إلكترونية يكفي لتعديلها؟

يعود النقاش حول اعتماد الساعة الإضافية في المغرب مع نهاية شهر رمضان من كل سنة، بعد إضافة 60 دقيقة إلى توقيت غرينتش ابتداء من يوم الأحد 22 مارس 2026، في خطوة تعيد تغيير إيقاع الحياة اليومية للمغاربة وتفرض نمطا زمنيا مختلفا على مستوى العمل والدراسة والحياة الأسرية.

ويأتي ذلك في سياق تحرك رقمي أعاد ملف التوقيت إلى واجهة النقاش العمومي، بعدما تجاوز عدد الموقعين على عريضة إلكترونية تطالب بالعودة إلى التوقيت القانوني عتبة 200 ألف توقيع، ما يعكس استمرار الجدل المجتمعي حول هذا القرار.

ومنذ اعتماد التوقيت الصيفي سنة 2018، مع استثناء شهر رمضان الذي يتم خلاله الرجوع مؤقتا إلى الساعة القانونية، لدواعٍ، تقول الحكومة، إنها اقتصادية مرتبطة بتقليص استهلاك الطاقة وتعزيز التوافق الزمني مع الشركاء الدوليين، يرى بعض المواطنين أن هذا النظام لا ينسجم مع إيقاع حياتهم اليومية.

في هذا السياق، يرى الأخصائي في علم النفس الاجتماعي محسن بنزاكور أن قراءة وضعية الساعة الإضافية تبرز دلالة مصطلح “الإضافة”، إذ توحي هذه الكلمة للإنسان بأنه مطالب ببذل مجهود إضافي، موضحا:” وُضعت الساعة في الأصل لتنظيم الحياة وفهم إيقاع الزمن وتقلبات الطبيعة، غير أن إضافة ساعة إلى توقيت تأقلم معه المجتمع قد يخلق نوعا من الالتباس في إدراك الزمن وتنظيمه.

ويضيف بنزاكور، في تصريح صحفي، أن تغيير الساعة البيولوجية قد تكون له انعكاسات جسدية ونفسية واجتماعية، لأن الساعة تضبط إيقاع العلاقات اليومية ومواعيد العمل والنوم واللقاءات.

وأوضح أن الجسم يحتاج إلى فترة للتأقلم مع الإيقاع الجديد، مشيرا إلى أن بعض الدراسات تشير إلى أن اضطراب الإيقاع اليومي الذي يكون مرتبطا بحركتي الشروق والغروب قد يؤثر على جودة النوم والقدرة على التركيز ويزيد من الإحساس بالتعب والإرهاق، خاصة في الفترات الأولى بعد تغيير التوقيت.

كما أشار إلى أن تأخر التعرض للضوء الصباحي مقابل زيادة التعرض للضوء المسائي قد يربك الساعة البيولوجية ويصعب عملية النوم، ما يؤدي إلى تراكم التعب والإجهاد، مشددا على أن إحساس الإنسان بالاطمئنان ينعكس إيجابا على عطائه اليومي وإنتاجيته.

وأوضح المتحدث أن بعض الفئات قد تكون أكثر تأثرا بهذه التغيرات، من بينها التلاميذ والنساء العاملات، خصوصا خلال فصل الشتاء حين يضطر كثيرون إلى مغادرة منازلهم قبل شروق الشمس، وهو ما يثير أيضا تساؤلات مرتبطة بالشعور بالأمان أثناء التنقل في هذه الفترة، متسائلا عما إذا كانت المكاسب الطاقية المفترضة تعادل الكلفة الاجتماعية والنفسية التي يتحملها المواطنون.

وأضاف أن عملية التأقلم مع التوقيت الجديد تختلف من شخص إلى آخر، وقد تستغرق لدى البعض عدة أسابيع قبل استعادة التوازن مع الإيقاع الزمني الجديد.

ويرى بنزاكور أن هناك أسسا علمية وبيولوجية ونفسية تفسر رفض بعض المواطنين لهذا التوقيت، إذ يعتبر كثيرون أن الساعة الإضافية تمثل بالنسبة لهم نقصا وليس إضافة، لأنها تقلص ساعة من إيقاع حياتهم اليومية. كما يطرح هذا النقاش تساؤلات حول مدى جدوى هذا الاختيار في ظل غياب دراسات واضحة لدى الرأي العام تبرز آثاره بشكل دقيق.

ويرجع اعتماد الساعة الإضافية أساسا إلى اعتبارات اقتصادية مستلهمة من تجارب عدد من الدول الأوروبية، غير أن التساؤل يظل مطروحا حول مدى تحقيق الأهداف المرجوة منها.

في هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي إدريس العيساوي أن قرار اعتماد الساعة الإضافية صُمم وفق مقاربة تقوم على منطق النجاعة الاقتصادية وتقليص كلفة الطاقة والإدارة، إضافة إلى تعزيز التزامن الزمني مع الشركاء الاقتصاديين.

وأوضح العيساوي، في تصريح صحفي، أن اعتماد الساعة الإضافية في المغرب يهدف إلى تعزيز التزامن الزمني مع شركاء الاتحاد الأوروبي، مما يوفر ساعة من التداخل الزمني مع أوروبا، ما يسهل المعاملات المالية والتجارية ويعزز جاذبية بعض القطاعات المرتبطة بالتصدير والخدمات والاستثمار.

غير أنه أشار في المقابل إلى أن هذا الخيار يطرح نقاشا حول كلفته الاجتماعية والبيولوجية، موضحا أن تقييم هذا القرار يقتضي الموازنة بين الكفاءة الاقتصادية والانعكاسات الاجتماعية، خاصة في ما يتعلق بتأثيره على جودة النوم وتركيز المواطنين.

كما لفت إلى أن بعض الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالضوء الطبيعي، مثل الفلاحة والأسواق الأسبوعية، قد تتأثر بدورها بتغيير التوقيت، إضافة إلى تأثيرات محتملة على إيقاع العمل والدراسة.

وأضاف أن الهدف المعلن من اعتماد هذا التوقيت يتمثل في تقليص استهلاك الكهرباء، غير أن بعض الدراسات تشير إلى أن هذا المكسب يظل محدودا، بل قد يرتفع الاستهلاك السكني نتيجة زيادة الحاجة إلى الإنارة أو التكييف، إلى جانب تكاليف التنقل.

أما على المستوى الطاقي، فيبرز الخبير في مجال الطاقة أمين بنونة أن الهدف الأساسي من اعتماد الساعة الإضافية يتمثل في تقليص استهلاك الطاقة الكهربائية، خاصة بالنظر إلى ارتباط جزء مهم من حاجيات المغرب الطاقية بالاستيراد.

وأوضح بنونة، أن تأثير هذا التوقيت على استهلاك الكهرباء يظل محدودا نسبيا، إذ يقدر الربح في حدود ما بين 0.2 و0.3 في المائة من الاستهلاك السنوي للكهرباء، لكنه يساهم في الحفاظ على جزء من الطاقة عبر تقليص مدة استعمال الإنارة في بعض الفترات.

وأشار إلى أن استمرار اعتماد هذا التوقيت قد يقتضي التفكير في ملاءمة بعض مواقيت العمل والدراسة معه، بما يحد من الإكراهات المرتبطة به.

كما يرى أن المكاسب الاقتصادية المرتبطة بهذا التوقيت ترتبط أساسا بتعزيز التوافق الزمني مع الشركاء الأوروبيين، وهو ما تستفيد منه بعض القطاعات الخدمية، خاصة الأنشطة المرتبطة بخدمات الأوفشورينغ مثل مراكز النداء وخدمات الدعم عن بعد، في المقابل، قد يقلص هذا التوقيت التداخل الزمني مع أسواق أخرى مهمة مثل بريطانيا والولايات المتحدة، ما يجعل مكاسبه الاقتصادية محل نقاش في ظل التحولات الرقمية.

ولمواجهة هذه الوضعية، جرى توقيع عريضة قانونية تطالب بإلغاء الساعة الإضافية، معتبرة أنها تفرض تحديات يومية على المواطنين، خاصة بسبب اضطراب الساعة البيولوجية وما قد يترتب عنه من تأثيرات على الأداء الدراسي والمهني والصحة النفسية.

يوضح المستشار القانوني أمين فتحي أن العريضة في القانون المغربي لها قيمة دستورية وإجرائية، لأنها تستند إلى الفصل 15 من الدستور، كما عرفها القانون التنظيمي رقم 44.14 بأنها طلب مكتوب يتضمن مطالب أو مقترحات أو توصيات موجهة إلى السلطات العمومية قصد اتخاذ ما تراه مناسبا.

وأوضح فتحي، أن العريضة ليست مجرد تعبير رمزي، بل آلية دستورية للمشاركة المواطنة تُلزم الجهة المعنية بدراستها وفق المسطرة القانونية، غير أنها لا تنشئ في حد ذاتها التزاما على الحكومة بإلغاء الساعة الإضافية أو تعديلها.

وأضاف أن العريضة الإلكترونية تعد آلية دستورية معترف بها تتيح للمواطنين، داخل المغرب وخارجه، تقديم مقترحات أو توصيات إلى السلطات العمومية في إطار ما ينص عليه الدستور والقانون، مؤكدا أن التغيير القانوني لا ينتج عن عدد التوقيعات في حد ذاته، مبرزا أن المحكمة الدستورية اعتبرت أن مقتضيات الساعة القانونية تندرج ضمن مجال السلطة التنظيمية التي يمارسها رئيس الحكومة، ما يعني أن تعديل التوقيت يتم عبر مرسوم حكومي.

وبناء على ذلك، فإن الأثر الفعلي للعريضة يتمثل في فتح نقاش مؤسساتي رسمي وإحداث نوع من الضغط القانوني والسياسي قد يدفع الحكومة إلى إعادة النظر في المرسوم المنظم للتوقيت، دون أن يكون للعريضة أثر ملزم في حد ذاتها.

وفي ما يتعلق بالشروط القانونية لقبول العريضة، يشترط القانون أن يكون هدفها تحقيق مصلحة عامة، وأن تتضمن مطالب واضحة ومشروعة، مع إرفاقها بمذكرة توضيحية ولائحة دعم تتضمن بيانات الموقعين، ويجب أن تضم ما لا يقل عن 4000 توقيع لمواطنين مغاربة متمتعين بحقوقهم المدنية والسياسية.

أما في حال استيفاء العريضة لهذه الشروط، فيتم توجيهها إلى رئيس الحكومة الذي يحيلها على لجنة العرائض لدراستها وإبداء الرأي بشأنها.

وفي حال اعتبرت اللجنة أن العريضة غير مستوفية للشروط، يتم إشعار وكيل لجنة التقديم بقرار معلل بعدم القبول داخل أجل لا يتجاوز 30 يوما، أما إذا كانت مقبولة، فإن رئيس الحكومة يبت في مآلها بعد دراسة رأي اللجنة.

وتعني هذه الصياغة القانونية أن قبول العريضة لا يعني بالضرورة إلغاء الساعة الإضافية، بل يفتح الباب أمام عدة مآلات محتملة، مثل الدراسة أو الإحالة أو اتخاذ تدبير تنظيمي.

ويؤكد فتحي أن تعديل نظام التوقيت يظل ممكنا من الناحية القانونية والسياسية، لكنه ليس تلقائيا، لأن النظام الحالي يستند إلى المرسوم رقم 2.18.855، كما أن القرارات السنوية المتعلقة بتغيير الساعة خلال شهر رمضان تصدر تطبيقا له.

وبما أن المحكمة الدستورية اعتبرت موضوع الساعة القانونية من اختصاص السلطة التنظيمية، فإن تعديل هذا النظام يبقى من صلاحيات الحكومة عبر إصدار مرسوم تنظيمي جديد أو تعديل المرسوم الحالي. وبالتالي، يمكن للعريضة أن تشكل وسيلة ضغط مؤسساتية قد تفضي إلى مراجعة القرار، غير أن الحسم النهائي يظل بيد السلطة التنفيذية.

videossloader مشاهدة المزيد ←