
116 ألف فرصة شغل و43 مليار درهم.. إمكانات واعدة للصناعات الثقافية

تسهم الصناعات الثقافية والإبداعية في المغرب في خلق قيمة اقتصادية مهمة وتوفير فرص شغل، كما يشهد هذا القطاع دينامية نمو ملحوظة خلال السنوات الأخيرة.
غير أنه، رغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا يزال يواجه تحديات مرتبطة أساسا بضعف الهيكلة وصعوبة الولوج إلى التمويل، ما يحد من قدرته على احتلال مكانة أكثر وضوحا داخل الاقتصاد الوطني.
وأفاد تقرير صادر عن مؤسسة التمويل الدولية التابعة لـمجموعة البنك الدولي، أن الصناعات الثقافية والإبداعية بلغت نحو 2,4% من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2022، وهو مستوى يقارب وزن قطاعات ذات كثافة رأسمالية مرتفعة مثل الصناعات الاستخراجية أو النقل واللوجستيك.
وسجل التقرير، المعنون بـ”تقييم الصناعات الثقافية والإبداعية في المغرب: تحديات السوق والفرص والتوصيات”، أن رقم معاملات هذا القطاع بلغ حوالي 43 مليار درهم سنة 2023، شاملا القطاعين المنظم وغير المنظم، مسجلا نموا بنسبة 18 في المائة مقارنة بسنة 2022.
كما وفرت الصناعات الثقافية والإبداعية أكثر من 116 ألف فرصة عمل خلال سنة 2023، منها 78 ألف منصب شغل رسمي، أي ما يقارب 1% من الساكنة النشيطة.
ويظهر تحليل التقرير أن هذا القطاع يحدث نحو 3.7 مناصب شغل لكل مليون درهم من القيمة المضافة، مقابل 3.2 مناصب في الصناعة التحويلية، كما تفوق مساهمته في التشغيل قطاعات مثل الصحة والخدمات المالية.
وتشكل النساء نحو %34 من اليد العاملة في هذا القطاع، كما يمثلن أزيد من 9500 مقاولة، أي ما يعادل نحو 3% من النسيج المقاولاتي الرسمي على الصعيد الوطني.
تتوزع مداخيل الصناعات الثقافية والإبداعية أساسا بين عدة مجالات رئيسية، أبرزها التراث والسياحة الثقافية والهندسة المعمارية وفن الطهي، التي تحقق حوالي 10.4 مليارات درهم من رقم المعاملات وتمثل نحو 0,7% من الناتج الداخلي الإجمالي.
كما تشمل الفنون الإبداعية والصناعة التقليدية، التي تسجل حوالي 18.5 مليار درهم من رقم المعاملات، إضافة إلى التظاهرات والمهرجانات وفنون العرض التي تحقق نحو 1.3 مليار درهم.
ويرى التقرير أن القطاع ما يزال يتوفر على إمكانات نمو كبيرة، إذ تتراوح مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية في الاقتصادات المتقدمة بين 2 و7 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، مع آثار اقتصادية مضاعفة مهمة، حيث يمكن لكل دولار مستثمر أن يولد ما يصل إلى 2.5 دولار من القيمة الاقتصادية.
رغم هذه الإمكانات، يبرز التقرير وجود فجوة واضحة بين القدرات الاقتصادية للقطاع ومستوى تمويله. ففي سنة 2021، لم يستفد قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية سوى من أقل من 0,5% من إجمالي القروض الموجهة للمقاولات، وهو من بين أدنى المستويات مقارنة بباقي القطاعات الاقتصادية.
كما لا تتجاوز نسبة المقاولات الإبداعية التي تتمكن من الولوج إلى التمويل البنكي 3%، ما يدفع غالبية الفاعلين إلى الاعتماد شبه الكامل على التمويل الذاتي.
ويعزو التقرير هذه الصعوبات إلى عدة عوامل، من بينها محدودية الثقافة المالية لدى عدد من المقاولات الإبداعية، والتخوف من اللجوء إلى المديونية، إضافة إلى عدم انتظام التدفقات المالية المرتبطة بطبيعة الأنشطة الثقافية.
وفي المقابل، تسجل المؤسسات المالية بدورها صعوبات مرتبطة بغياب سجلات مالية موثوقة لدى عدد من المقاولات، وارتفاع تصور المخاطر المرتبطة بالقطاع، فضلا عن نقص المنتجات التمويلية المصممة خصيصا لخصوصيات الصناعات الإبداعية ودورات إنتاجها.
وأشار التقرير إلى أن المغرب يتوفر على مكتسبات تنظيمية ومؤسساتية مهمة في مجال دعم الصناعات الثقافية والإبداعية، مع تعزيز تدريجي للإطار القانوني وتطور منظومة الدعم.
غير أن عددا من النقائص لا يزال قائما، من بينها غياب وضع قانوني خاص بالمقاولة الثقافية، وعدم توفر إطار منظم للرعاية الثقافية (الميكانة)، إضافة إلى ضعف التحفيزات الجبائية الموجهة لهذا القطاع، وغياب استراتيجية وطنية مندمجة لتطويره.
ويرى التقرير أن السنوات المقبلة قد تشكل فرصة مهمة لتسريع تطوير الصناعات الثقافية والإبداعية في المغرب، خاصة في ظل الدينامية السياحية التي سجلت أكثر من 17 مليون زائر سنة 2024، إلى جانب الإمكانات التي توفرها الجالية المغربية بالخارج، التي تبلغ تحويلاتها نحو 11 مليار دولار سنويا.
كما يشير التقرير إلى أن الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030 بمشاركة المغرب يمكن أن يشكل رافعة إضافية لتطوير الاقتصاد الإبداعي وتعزيز حضوره دوليا.
ويقترح التقرير مقاربة شمولية لتطوير القطاع، ترتكز على ثلاث أولويات رئيسية، في مقدمتها إعداد استراتيجية وطنية مخصصة للصناعات الثقافية والإبداعية، وتعزيز الإطار المؤسساتي والحكامة، إلى جانب تطوير آليات الدعم مثل الحاضنات والأقطاب الإبداعية.
كما يدعو إلى تكييف أدوات التمويل مع خصوصيات كل فرع من فروع الصناعات الإبداعية، بما يضمن ملاءمة أكبر بين احتياجات المقاولات وطبيعة أنشطتها.
وفي هذا السياق، يؤكد التقرير أن التمويل وحده لن يكون كافيا دون مواكبته بإجراءات داعمة، تشمل التكوين في مجالات التسويق وبناء العلامات التجارية والتسيير، إضافة إلى تسهيل الولوج إلى الأسواق الدولية ومواكبة التصدير، وتمكين المقاولات من الأدوات الرقمية لتعزيز الإنتاجية وجودة المنتجات والخدمات.
كما يبرز التقرير أهمية تطوير منظومة الإحصاءات الخاصة بالقطاع، نظرا لغياب معطيات منتظمة ومنسقة حول الصناعات الثقافية والإبداعية، وهو ما يحد من وضوح القطاع لدى المؤسسات المالية ويؤثر على فعالية السياسات العمومية.
وفي هذا الإطار، يشدد التقرير على الدور الذي يمكن أن يضطلع به المرصد المغربي للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة في إنتاج وتحليل المعطيات المتعلقة بالنسيج المقاولاتي، بما يعزز فهم هذا القطاع ويساعد على مواكبة تطوره.
ويخلص التقرير إلى أن هيكلة الصناعات الثقافية والإبداعية وتسهيل ولوجها إلى التمويل يمثلان شرطا أساسيا لتحويل هذا القطاع إلى رافعة حقيقية لتنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز تشغيل الشباب ودعم الإشعاع الثقافي للمغرب.
مشاهدة المزيد ←







