جمعة سحيم تتحوّل من جماعة قروية إلى “مطمورة الذهب واللويز”

جمعة سحيم تتحوّل من جماعة قروية إلى “مطمورة الذهب واللويز”

درك جمعة سحيم فكّكت مؤخرا عصابة من 6 أشخاص تنقّب عن الذهب والمعادن النفيسة

لم تعد منطقة جمعة سحيم بإقليم آسفي تعاني ويلات اتخاذها معبرا ومستودعا سريا لتخزين الممنوعات، من قبل عصابات وشبكات المخدرات التي تستهويها المناطق الإستراتيجية، بل صارت مصدر قلق وإزعاج للسلطات المحلية والمصالح الأمنية، إثر تحول دواويرها الهادئة وبناياتها المهجورة إلى قبلة للحالمين بالاغتناء السريع، الذين ينتظمون في عصابات للتنقيب عن الكنوز واستخراجها.

وأوردت يومية “الصباح”، أنه بمجرد أن يعم الظلام تظهر حركات غير عادية لأشخاص غرباء من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية، ليس لقضاء ليالي السمر في البادية أو لتنظيم جلسات وسط معارفهم الذين تجمعهم بهم “البلية”، ولكن للشروع في عمليات مسح دقيق لمسارح الجريمة التي يعتقد أنها تحتضن مطمورة “الذهب واللويز»، بعدما سيطر وهم الثراء السريع على عقول ضعيفة تحاول الانعتاق من براثن الفقر بأقل مجهود، عوض استثمار قدراتها في الفلاحة والحرف اليدوية “الصنعة”، التي تبقى رأسمالا صالحا لكل زمان ومكان.
ولأن التأثر بالماديات وحب المظاهر سيطرا على أسلوب الحياة اليومية لمختلف أفراد المجتمع، لم تعد جمعة سحيم، تلك الجماعة القروية الهادئة التابعة لإقليم آسفي، كما كانت. فخلال السنوات الثلاث الأخيرة، انتقلت المنطقة من مشاكل الفلاحة والهشاشة إلى صدارة خريطة الجريمة المنظمة بإقليم عبدة، بعدما تحولت إلى قبلة لعصابات التنقيب عن الكنوز والآثار. ظاهرة جديدة أربكت حسابات السلطات المحلية ووضعت عناصر الدرك الملكي أمام “حرب استنزاف” على جبهتين.

تكنولوجيا بدل الطلاسم
رغم المخاطر التي تتربص بمنطقة جمعة سحيم، إلا أن عناصر الدرك الملكي التابعة للقيادة الجهوية لآسفي تسابق الزمن وتبذل مجهودات جبارة لمواجهة جرائم تهريب وترويج المخدرات، قبل أن تقرر توسيع دائرة تدخلاتها لتشمل أنشطة البحث عن الكنوز والمعادن النفيسة، التي تتم بدون ترخيص. وقبل أسبوعين وفي الساعات الأولى من الصباح، تمكنت عناصر المركز الترابي للدرك الملكي بجمعة سحيم من تفكيك عصابة إجرامية تتكون من 6 أشخاص، كانت تنشط في التنقيب عن الذهب والمعادن النفيسة.
ولكن ما ميز تلك العملية عن سابقاتها ليس عدد الموقوفين، بل طبيعة المحجوزات، فبعدما كانت مصالح الدرك الملكي تضبط في السابق “وثائق المطمورة” والبخور والطلاسم التي تدخل ضمن الأساليب التقليدية لمظاهر الشعوذة، عثرت هذه المرة على أجهزة كشف عن المعادن متطورة وآليات حفر كهربائية ومعدات تمويه تستعمل ليلا للهروب من المراقبة.
وكشف مصدر أمني أن عصابات البحث عن الكنوز لم تعد تتحرك بطريقة تقليدية، بل أضحت تشتغل وفق مخططات احترافية، حيث يتم تقسيم المهام والحرص على التخطيط قبل تنفيذ أي عملية، والاستثمار في التكنولوجيا لربح الوقت وتفادي الملاحقة الأمنية.
وأوضح المصدر ذاته، أن هذا التحول من “الشعوذة” إلى “الاحتراف” صعب مهمة التصدي لهذه الشبكات الأكثر تعقيدا.

بين مطرقة المخدرات وسندان الكنوز
لسنوات طويلة، استنزفت محاربة شبكات ترويج المخدرات أغلب مجهودات الدرك الملكي بالمنطقة. اليوم أضيفت جبهة جديدة… فعناصر قليلة العدد مطالبة في الآن نفسه بملاحقة مهربي أطنان “الشيرا» ومروجي «القرقوبي» و”الكيف»، وبتتبع “الحالمين بالاغتناء السريع”، الذين يحولون الأراضي الفلاحية والمساكن القديمة والمهجورة إلى حفر كبيرة بعد عمليات حفر تتم تحت جنح الظلام.
وأمام اتساع هوس الاغتناء السريع، كانت النتيجة كارثية على الأرض، إذ انتشر الحفر العشوائي بشكل مهول ما تسبب في إتلاف معالم قديمة وتخريب ممتلكات الغير ومساحات فلاحية دون نسيان ظهور حفر تهدد بحوادث سقوط للمارة، اعتقد البعض أنها تحتوي على دفائن. يقول أحد الفلاحين من المنطقة: «الناس ولات كتنعس بالنهار وتحفر بالليل. الأراضي الفلاحية ديالنا ولاو كيدخلو ليها الغرباء بلا استئذان”.

حمى الكنوز… عوامل متداخلة
يرى باحثون في علم الاجتماع أن “حُمى الكنوز” في جمعة سحيم ناتجة عن 3 عوامل متداخلة، أولها الهشاشة الاقتصادية، فغياب فرص الشغل دفع شبابا كثيرين للبحث عن “ضربة حظ” تعوض سنوات البطالة والفقر، في حين المعطى الثاني يتمثل في إشاعات الموروث الشعبي، الذي يعتبر المنطقة غنية بالنفائس القديمة التي بقيت عالقة في “المطمورة” التي خلفها الأجداد، مما جعل أسطورة “الكنز المدفون” رائجة بقوة، أما العامل الثالث فيكمن في سهولة اقتناء التكنولوجيا بعد أن أصبحت أجهزة الكشف تباع عبر الأنترنيت بلا حسيب ولا مراقبة.
وفي الوقت الذي يستهين فيه البعض بالظاهرة، فإنه لا بد من التطرق إلى اانعكاساتها السلبية. فمن الناحية الأمنية يتم استنزاف جهود وموارد الدرك الملكي في مطاردة عصابات التنقيب عن الكنوز وهو ما يعني زيادة الضغط على العناصر الأمنية في عمليات التصدي لشبكات تهريب وترويج المخدرات، أما تنمويا، فصورة “النقطة السوداء” تطرد أي مستثمر محتمل وتربط اسم المنطقة بالجريمة، بدل اعتبارها مكانا خصبا للاستثمار الفلاحي.

مطالب بالتدخل ودعم مجهودات الدرك
أمام هذا الوضع، دق عدد من سكان المنطقة ناقوس الخطر، مطالبين بضرورة تشديد المراقبة على استيراد وبيع أجهزة التنقيب، وربطها بتراخيص لوضع حد لفوضى تحولت إلى مخططات تعاكس القانون وتعبث بتاريخ وممتلكات الغير، مقترحة إطلاق حملات تحسيس في المدارس والمساجد لشرح خطورة هذه الممارسات وعقوباتها القانونية، التي تصل إلى السجن والغرامة.
ولأنه من لا يشكر الناس لا يشكر الله، لم تنس الفعالات المدنية الثناء على مجهودات مصالح الدرك الملكي بجمعة سحيم، وعلى رأسها القيادة الجهوية لآسفي، مطالبة بضرورة توفير دعم لوجستي وبشري إضافي للمركز الترابي للدرك بجمعة سحيم، حتى يتم التصدي لحمى الكنوز.

videossloader مشاهدة المزيد ←