
الترحال السياسي في المغرب.. عندما تتحول الانتخابات إلى “ميركاتو” حزبي

محمد المهندس – مراكش الآن
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم الاربعاء 23 شتنبر 2026، تعود ظاهرة الترحال السياسي والحزبي إلى واجهة المشهد المغربي، في وقت تتسابق فيه الأحزاب لإعداد لوائح مرشحيها، ويبحث عدد من الفاعلين السياسيين عن مواقع جديدة تضمن لهم الاستمرار في المنافسة الانتخابية.
ولم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل يحق للسياسي أن يغير انتماءه الحزبي؟
بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: متى يكون تغيير الانتماء تعبيراً عن قناعة سياسية جديدة، ومتى يتحول إلى مجرد بحث عن تزكية انتخابية؟
من القناعة إلى حسابات المقعد
في السياسة، يمكن أن تتغير القناعات، ويمكن للفاعل السياسي أن يراجع مواقفه وأن يختار الانضمام إلى مشروع حزبي آخر. وهذا أمر لا يمكن مصادرته في مجتمع ديمقراطي.
لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح الانتقال بين الأحزاب مرتبطاً بشكل شبه حصري بالاستحقاقات الانتخابية، خصوصاً عندما تكون التزكية هي الدافع الأساسي وراء الرحيل واعادة الانتماء الحزبي.
خلال الأشهر الأخيرة، برزت تقارير صحفية عديدة تتحدث عن ارتفاع وتيرة الانتقالات والاستقالات الحزبية، وربطتها بصراع التزكيات والاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة.
وهنا يصبح الحزب أمام سؤال صعب: هل يبني نخبه السياسية من داخل مؤسساته، أم يستقطب أسماء جاهزة كلما اقترب موعد الاقتراع؟
التزكية ليست مجرد ورقة
التزكية الحزبية ليست وثيقة تقنية تسمح بالترشح فقط؛ إنها، في جوهرها، إعلان عن ثقة تنظيمية وسياسية في المرشح.
ولهذا فإن تحويلها إلى ما يشبه «سوقاً انتخابية» يضعف المعنى الحقيقي للعمل الحزبي، ويجعل بعض المرشحين ينظرون إلى الأحزاب باعتبارها مجرد قنوات للوصول إلى البرلمان.
الأخطر من ذلك، أن هذا المنطق يمكن أن يدفع المناضل الحزبي، الذي أمضى سنوات في العمل التنظيمي، إلى الشعور بأن موقعه أصبح مهدداً أمام وافد جديد يمتلك حضوراً انتخابياً أو شبكة علاقات واسعة.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بصراع بين أشخاص، وإنما بسؤال جوهري حول مستقبل الأحزاب السياسية المغربية.
الدستور وضع خطاً أحمر
المشرع الدستوري المغربي لم يترك ظاهرة التخلي عن الانتماء السياسي دون ضوابط.
فالفصل 61 من دستور 2011 ينص على تجريد عضو أحد مجلسي البرلمان من صفته إذا تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها، مع إحالة الأمر إلى المحكمة الدستورية وفق المسطرة القانونية.
والرسالة هنا واضحة: المقعد البرلماني ليس ملكاً شخصياً للنائب، بل يرتبط بإطار سياسي وانتخابي منح الناخب من خلاله ثقته.
وقد أصدرت المحكمة الدستورية بالفعل قرارات في هذا المجال، ما يؤكد أن مواجهة بعض صور الترحال السياسي ليست مجرد موقف أخلاقي، وإنما لها أساس دستوري وقانوني.
لكن ماذا عن الترحال قبل الانتخابات؟
هنا تكمن المنطقة الأكثر تعقيداً.
فالانتقال من حزب إلى آخر بعد نهاية الولاية أو قبل الاقتراع، من أجل الحصول على تزكية جديدة، يطرح إشكالاً سياسياً وأخلاقياً حتى عندما لا تنطبق عليه بالضرورة حالة التجريد من المقعد البرلماني.
فالناخب الذي صوت في الانتخابات السابقة على أساس برنامج واسم ورمز حزبي، قد يجد نفسه أمام المرشح نفسه في انتخابات جديدة لكن تحت راية سياسية مختلفة.
وفي هذه الحالة، لا يمكن للقانون وحده أن يقدم الجواب.
الناخب هو الذي يملك الكلمة. فالمواطن لم يعد يريد مجرد أسماء
المغربي اليوم لا يبحث فقط عن مرشح يعرف كيف يدير الحملة الانتخابية.
إنه يريد نائباً يستطيع الدفاع عن قضايا دائرته، ويمتلك رؤية للتنمية، ويكون حاضراً بين المواطنين قبل الانتخابات وبعدها.
فالبرلمان ليس محطة للحصول على امتياز اجتماعي، ولا المقعد البرلماني غاية في حد ذاته. إنه مسؤولية سياسية وتشريعية ورقابية.
ومن هنا، فإن المرشح الذي ينتقل من حزب إلى آخر مطالب بتقديم تفسير سياسي واضح للناخب: لماذا غيّر موقعه؟ ماذا تغير في قناعاته؟ وما الذي سيقدمه من داخل الإطار السياسي الجديد؟
الأحزاب أيضاً مطالبة بالمراجعة
من السهل تحميل السياسي وحده مسؤولية الترحال. لكن الأحزاب تتحمل بدورها جزءاً أساسياً من المسؤولية.
فحين تفتح بعض التنظيمات أبوابها للوافدين فقط لأنهم يمتلكون حظوظاً انتخابية، فإنها تشجع عملياً على استمرار الظاهرة.
وحين يشعر المناضل بأن سنوات العمل داخل الحزب لا تمنحه أولوية في الترشح، بينما يستطيع وافد جديد الحصول على التزكية بسرعة، فإن الثقة في العمل الحزبي تتضرر.
لذلك، فإن إصلاح المشهد لا ينبغي أن يقتصر على محاربة الترحال، بل يجب أن يشمل أيضاً طريقة اختيار المرشحين، وشفافية التزكيات، ودور المناضلين، وتجديد النخب، وإشراك الشباب والنساء والكفاءات المحلية.
انتخابات 2026.. امتحان للناخب وللحزب
قد تكون الانتخابات التشريعية المقبلة أكثر من مجرد منافسة على المقاعد.
إنها امتحان حقيقي لمدى قدرة الأحزاب على تقديم مرشحين يجمعون بين الكفاءة والنزاهة والحضور السياسي والقرب من المواطنين.
وهي أيضاً امتحان للناخب المغربي الذي يستطيع، من خلال صندوق الاقتراع، أن يميز بين من يحمل مشروعاً سياسياً واضحاً ومن يبحث فقط عن بوابة انتخابية جديدة.
فالترحال السياسي لا يصبح مشكلة فقط عندما يخالف القانون؛ بل يصبح مشكلة أكبر عندما يفقد السياسة معناها، ويحول الحزب إلى محطة مؤقتة، والتزكية إلى غاية، والمقعد إلى هدف نهائي.
السياسة ليست «ميركاتو»
ربما حان الوقت لكي تتوقف الأحزاب عن التعامل مع الانتخابات بمنطق «الميركاتو»، حيث ينتقل المرشح من حزب إلى آخر بحثاً عن موقع أفضل.
فالسياسة ليست كرة قدم، والبرلمان ليس ملعباً للمنافسة على المقاعد.
السياسة التزام، والأحزاب مدارس لإنتاج النخب، والانتخابات تعاقد مع المواطنين.
وفي نهاية المطاف، لن تكون التزكية هي التي تمنح الشرعية للمرشح، ولا الحزب وحده هو الذي يصنع النائب.
صندوق الاقتراع هو الحكم.
وفي انتخابات 23 شتنبر 2026، سيكون أمام المواطن المغربي خيار واضح: أن يمنح صوته لمن يرى فيه امتداداً لقناعته ومشروعه، أو أن يرفض منطق الانتقال السياسي الذي لا يجد تفسيره إلا في البحث عن مقعد جديد.
وهنا تحديداً، لا يكون الناخب مجرد رقم في معادلة انتخابية، بل يصبح الطرف الأقوى في معادلة تخليق الحياة السياسية.
مشاهدة المزيد ←







