
رئيسة الحكومة: لا تنمية مستدامة دون عدالة اجتماعية ومجالية وتدبير مسؤول للشأن العام

أكدت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، أن التوجه الحكومي يقوم على تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وتقوية الاقتصاد الوطني من جهة، وترسيخ العدالة الاجتماعية والمجالية من جهة أخرى، مشددة على أن التنمية لا يمكن أن تتحقق عبر توسيع الفوارق أو منح امتيازات غير مستحقة، وإنما من خلال خلق الثروة وتوفير فرص الشغل وتحسين ظروف عيش المواطنين.
وفي مداخلتها خلال جلسة عمومية بمجلس المستشارين خصصت لمناقشة البرنامج الحكومي، اليوم الأربعاء 21 أكتوبر الجاري؛ أوضحت المنصوري أن الحكومة تدعم اقتصادا قويا قادرا على استقطاب الاستثمارات وتحفيز المقاولات، مع العمل على تبسيط المساطر الإدارية وتقليص التعقيدات المرتبطة بالتراخيص، بما يساعد على تحسين مناخ الأعمال وتشجيع المبادرة الاقتصادية.
واعتبرت أن المقاولات تضطلع بدور أساسي في خلق فرص الشغل وتحريك عجلة التنمية، وأن النمو الاقتصادي يشكل مدخلا لتعزيز الاستقرار الاجتماعي وتحقيق تطلعات المغرب الصاعد، غير أنها شددت على أن تشجيع الاستثمار لا يعني التساهل مع تضارب المصالح أو السماح بتحويل النفوذ والعلاقات إلى وسيلة لتحقيق مكاسب خاصة، مؤكدة رفض الحكومة لأي ممارسات من شأنها الإضرار بمبدأ تكافؤ الفرص.
وفي معرض ردها على الانتقادات التي ربطت التغييرات التي عرفتها الحكومة بوجود ارتباك في بدايتها، اعتبرت المنصوري أن اتخاذ القرارات الصعبة في الوقت المناسب يعكس الجرأة في التدبير، وليس الارتباك، موضحة أن التعامل مع المعطيات التي تثير تساؤلات بشأن بعض المسؤولين يقتضي التحري واتخاذ الموقف المناسب، بدل ترك الشبهات دون معالجة، مع التأكيد في الوقت نفسه على رفض الإشاعات والاتهامات غير المستندة إلى معطيات موثوقة.
كما دافعت رئيسة الحكومة عن ضرورة التمييز بين تضارب المصالح المفترض وبين ممارسة النشاط الاقتصادي في حد ذاته، مشيرة إلى أن الاستثمار والمبادرة الخاصة لا ينبغي أن يتحولا تلقائيا إلى موضوع للاتهام، ما دام تقييم الحالات يتم على أساس الوقائع والقواعد القانونية المعمول بها.
وفي هذا السياق، أكدت المنصوري أن الطابع السياسي للحكومة يقتضي الصراحة في التواصل مع المواطنين، والابتعاد عن تقديم صورة مثالية عن العمل الحكومي أو الادعاء بامتلاك حلول سحرية لجميع المشكلات، مشددة على ضرورة الاعتراف بالتحديات القائمة وتوضيح ما تحقق وما لا يزال يحتاج إلى العمل، معتبرة أن الثقة تبنى عبر الصدق في عرض الحصيلة والمسؤولية في تدبير الملفات.
وبخصوص استمرارية السياسات العمومية، أبرزت رئيسة الحكومة أن عددا من الأوراش الكبرى، وفي مقدمتها تعميم الحماية الاجتماعية، يندرج ضمن اختيارات استراتيجية للدولة تتجاوز حدود الولايات الحكومية وتعاقب الحكومات، مؤكدة أن مواصلة هذه الأوراش تندرج في إطار تنفيذ التوجهات الملكية والاستراتيجيات الوطنية، بما يضمن استمرارية الإصلاحات وعدم ربطها فقط بالتغيرات السياسية.
وانتقلت المنصوري إلى موضوع العالم القروي، معتبرة أن تحسين أوضاعه يتطلب مراجعة أساليب التدبير التي لم تحقق النتائج المنتظرة، والانتقال إلى مقاربة أكثر تكاملا بين القطاعات والمؤسسات المعنية، موضحة أن الإشكالات التي تواجه المناطق القروية لا يمكن معالجتها من خلال تدخل قطاعي معزول، بل تستدعي تنسيقا فعليا بين مختلف المتدخلين، بما يتيح تحديد الأولويات وفق الحاجيات الحقيقية لكل منطقة.
وأكدت في هذا الإطار أن التوجه الاستراتيجي والسياسي ينبغي أن يحدد على المستوى المركزي، بينما يتعين أن يتم التنفيذ بالقرب من المواطنين، من خلال التنسيق الترابي بين الولاة والعمال ورؤساء الجماعات الترابية ورؤساء الجهات، بما يعزز الالتقائية ويقرب القرار العمومي من الواقع المحلي.
وشددت على أن هذا التوجه يروم تجاوز الاختلالات التي تعيق التنمية القروية، من خلال توزيع أكثر نجاعة للأدوار والمسؤوليات، وتحسين التنسيق بين المؤسسات، وربط التدخلات العمومية بالنتائج الفعلية التي تنعكس على ظروف عيش السكان.
وفيما يتعلق بقطاع الإسكان، استحضرت المسؤولة الحكومية تجربتها السابقة في تدبير هذا المجال، معتبرة أن معالجة أزمة السكن تقتضي التعامل مع مختلف العوامل التي تؤثر في العرض السكني، بما فيها تعقيد المساطر وبطء الإجراءات الإدارية والإشكالات المرتبطة بالعقار.
وأوضحت أن تبسيط المساطر وتقريب الإدارة من المواطنات والمواطنين يظلان من الشروط الضرورية لتيسير إنجاز المشاريع السكنية، غير أن الإصلاح لا يمكن أن يقتصر على الجانب الإداري، بل يتعين أن يشمل أيضا معالجة صعوبات الولوج إلى العقار، بما يساعد على توفير عرض سكني يستجيب للحاجيات المتزايدة.
كما تطرقت رئيسة الحكومة إلى حصيلة برنامج الدعم المباشر للسكن، معتبرة أنه حقق نتائج إيجابية، لكنه لم يبلغ الأهداف المنتظرة في العالم القروي، مؤكدة أن الاعتراف بهذا التفاوت يشكل مدخلا لتطوير آليات التدخل وتصحيح الاختلالات، حتى تستفيد المناطق القروية بدورها من البرامج العمومية الموجهة إلى تحسين ظروف السكن.
وخلصت إلى أن التغيير الذي تراهن عليه الحكومة لا يقتصر على إعلان التوجهات، بل يتطلب مراجعة أساليب التدبير، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتحقيق التوازن بين النجاعة الاقتصادية والإنصاف الاجتماعي والمجالي، مؤكدة أن الرهان الأساسي يتمثل في جعل السياسات العمومية أكثر ارتباطا بحاجيات المواطنين، وأكثر قدرة على إحداث أثر ملموس في حياتهم اليومية، مع الحفاظ على استمرارية الأوراش الاستراتيجية للمملكة.
مشاهدة المزيد ←







