الدكتور بنطلحة يكتب: العاطفة الرقمية

الدكتور بنطلحة يكتب: العاطفة الرقمية

د. محمد بنطلحة الدكالي – مدير المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء

في العصر الرقمي، لم تعد المسافات الجغرافية تشكل حدود التفاعل السياسي والعاطفي داخل المجتمعات.

فبفضل الشبكات الاجتماعية، أصبحت الأحداث الدولية، مهما كانت بعيدة، حاضرة بشكل دائم في المجال العام.

الصور والمقاطع القصيرة والسرديات المتداولة في الفضاء الرقمي قادرة على خلق موجات واسعة من التعاطف والانفعال داخل مجتمعات لا ترتبط مباشرة بتلك الصراعات، غير أن هذا التفاعل، رغم طابعه الإنساني المشروع، يطرح سؤالا مهما يتعلق بالعلاقة بين العاطفة الجماعية ومنطق الدولة في إدارة علاقاتها الدولية.

السياسة الخارجية، كما يؤكد المنظّر الواقعي في العلاقات الدولية هانز مورغنثاو Hans Morgenthau، لا تُبنى أساسا على الانفعالات الأخلاقية أو ردود الفعل العاطفية، بل على مفهوم مركزي هو المصلحة الوطنية (l’intérêt national)، لأن الدول تتحرك في بيئة دولية معقدة تحكمها توازنات القوة والتحالفات والاعتبارات الأمنية والاقتصادية.

ومن ثم، فإن القرارات التي تتخذها في هذا المجال تخضع عادة لحسابات استراتيجية بعيدة المدى أكثر مما تخضع للتفاعلات الانفعالية الآنية.

لكن المجتمعات لا تتفاعل مع العالم دائما وفق هذا المنطق الاستراتيجي نفسه، فالأفراد يعيشون ضمن شبكات متعددة من الانتماء، وهو ما تشير إليه الأدبيات الحديثة بمفهوم الهويات العابرة للحدود (les identités transnationales).

قد يشعر الإنسان بالانتماء إلى فضاءات دينية أو حضارية أو أيديولوجية تتجاوز حدود الدولة الوطنية، وهو ما يجعل بعض القضايا الدولية تحظى بحضور عاطفي قوي داخل النقاش العام.

وفي كثير من الحالات تتحول هذه القضايا إلى ما يسميه علماء الاجتماع السياسي التعبئة الرمزية (la mobilisation symbolique)، فالقضية الخارجية لا تبقى مجرد حدث سياسي بعيد، بل تتحول إلى رمز أخلاقي يعبر الأفراد من خلاله عن قيمهم أو مواقفهم تجاه العالم.

وفي هذا السياق يمكن أن تنشأ أيضا أشكال من الاستقطاب العاطفي (la polarisation affective)، حيث يتم اختزال الصراعات الدولية في ثنائيات أخلاقية حادة مثل الظالم والمظلوم أو الخير والشر، وهو ما يمنح النقاش بعدا انفعاليا قويا لكنه يبتعد في الوقت نفسه عن التعقيدات الفعلية للسياسة الدولية.

الشبكات الاجتماعية تلعب دورا محوريا في هذه الدينامية لأن المنصات تعمل وفق ما يعرف في الدراسات الإعلامية بـ اقتصاد الانتباه (l’économie de l’attention)، حيث تتنافس المحتويات المختلفة على جذب انتباه المستخدمين. في هذا السياق تنتشر المحتويات الأكثر إثارة للعاطفة بسرعة أكبر من التحليلات المعقدة أو النقاشات الهادئة.

الصور القوية والشعارات المختزلة تمتلك قدرة أكبر على الانتشار من الملفات التقنية المتعلقة بالاقتصاد أو الإصلاحات الاجتماعية.

ومن هنا يمكن أن يظهر ما يسميه بعض الباحثين في علم الشبكات وهم الأغلبية (l’illusion de majorité)، حيث قد يعطي النشاط المكثف لمجموعة صغيرة من المستخدمين الانطباع بأن موقفا معينا يمثل الاتجاه العام داخل المجتمع، بينما قد تكون الصورة الحقيقية أكثر تنوعا وتعقيدا.

إلى جانب ذلك، يساهم الفضاء الرقمي في خلق نوع من الانفصال بين العالم الافتراضي والعالم الواقعي (la dissociation entre le virtuel et le réel)، ففي الشبكات الاجتماعية تتشكل المواقف السياسية غالبا عبر صور وشعارات ومواقف فورية، بينما تنتمي الدولة إلى عالم مختلف تحكمه المؤسسات والاقتصاد والتحالفات الدولية، وعندما يختلط هذان العالمان في الإدراك، قد تتشكل مواقف سياسية في الفضاء الرقمي لا تعكس بالضرورة التعقيدات التي تواجهها الدولة في الواقع.

وقد وصف الفيلسوف وعالم الاجتماع Jean Baudrillard جانبا من هذه الظاهرة بمفهوم الواقع الفائق (l’hyperréalité)، حيث تصبح التمثيلات الإعلامية والصور الرمزية أحيانا أكثر حضورا وتأثيرا من الواقع نفسه.

ففي مثل هذه الحالات قد يتفاعل الأفراد مع صورة مبسطة للصراع أكثر مما يتفاعلون مع تعقيداته السياسية والاستراتيجية.

ومن زاوية أخرى، تشير الدراسات الحديثة في مجال الاتصال الاستراتيجي إلى أن العواطف الجماعية داخل الفضاء الرقمي يمكن أن تصبح أحيانا مجالا للتأثير والتوجيه، فالصراعات المعاصرة لا تدور فقط في المجال العسكري أو الدبلوماسي، بل تمتد أيضا إلى ما يسمى الفضاء المعلوماتي (l’espace informationnel) والفضاء الإدراكي (l’espace cognitif). وفي هذا الفضاء يمكن لبعض الفاعلين، سواء كانوا داخليين أو خارجيين، أن يحاولوا استثمار موجات التعاطف العاطفي حول قضايا معينة من أجل توجيه النقاش العام أو تضخيم بعض السرديات عبر التلاعب المعلوماتي (la manipulation informationnelle) أو عبر استراتيجيات التأثير.

ولا يعني ذلك أن كل تعاطف مع قضية خارجية هو نتيجة تلاعب أو توجيه، فالتعاطف مع معاناة الشعوب جزء طبيعي من الحس الإنساني. لكن ما تشير إليه هذه الدراسات هو أن العواطف الجماعية قد تصبح في بعض الحالات عنصرا ضمن صراعات التأثير في الفضاء المعلوماتي.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين التعاطف الأخلاقي المشروع مع القضايا الإنسانية في العالم، وبين تحويل هذه القضايا إلى مواقف سياسية حادة داخل النقاش الداخلي للمجتمعات، فالقضايا الدولية لا يمكن التعامل معها بالمنطق نفسه الذي يحكم الانتماءات الرمزية البسيطة، لأنها تتعلق بعلاقات معقدة بين دول ومصالح اقتصادية وأمنية واستراتيجية.

إن المجتمعات الناضجة سياسيا ليست تلك التي تتجاهل ما يحدث خارج حدودها، بل تلك التي تستطيع التفاعل مع العالم بوعي وتحليل، فالتعاطف مع القضايا الإنسانية يجب أن يقترن بقدرة على فهم طبيعة العلاقات الدولية وتعقيداتها.

ولهذا، فإن معالجة هذه الظاهرة لا تتم عبر التضييق على التعبير أو التقليل من أهمية التضامن الإنساني، بل عبر تعزيز الثقافة السياسية والوعي الرقمي داخل المجتمع. ففهم آليات انتشار المعلومات في الشبكات الاجتماعية، والتمييز بين العاطفة والتحليل، يساعدان على الحفاظ على توازن صحي في النقاش العام.

وفي عالم تتسارع فيه المعلومات وتتعدد فيه السرديات، يصبح التحدي الحقيقي أمام المجتمعات المعاصرة هو القدرة على الجمع بين الحس الإنساني تجاه قضايا العالم والوعي الاستراتيجي بطبيعة المصالح الوطنية. التوازن بين هذين البعدين هو ما يسمح بالحفاظ على نقاش عام منفتح على العالم، دون أن يفقد في الوقت نفسه بوصلته الوطنية.

videossloader مشاهدة المزيد ←