الصحة النفسية.. نحو تنظيم المهنة في مواجهة معالجين مزيفين

الصحة النفسية.. نحو تنظيم المهنة في مواجهة معالجين مزيفين

يتجه الأخصائيون النفسيون إلى إرساء تنظيم مهني عبر تأسيس جمعيات وتحالفات مهنية، في خطوة تروم مواجهة تنامي ممارسات غير مهنية داخل مجال الصحة النفسية، بعد بروز ممارسين غير معتمدين يزاولون الاستشارة والعلاج النفسي دون تأهيل أكاديمي أو ترخيص قانوني، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن سلامة المرضى ويفرض مجموعة من التحديات أمام مهنة الأخصائي النفسي ويؤثر على ثقتهم في المهنة.

في هذا السياق، تم تأسيس التحالف المهني للأخصائيين النفسيين الإكلينيكيين الممارسين في القطاع الحر، كأول مبادرة من نوعها تسعى إلى تقنين المهنة وتنظيمها.

ويجمع هذا التحالف مهنيين حاصلين على تراخيص رسمية ويمارسون في العيادات والمراكز الخاصة، بهدف تعزيز التنسيق بينهم وتوحيد الرؤى حول قضايا المهنة.

وأوضح رئيس التحالف، فيصل الطاهري، أن الهدف الأساسي من هذه المبادرة يتمثل في الحد من الممارسات المشبوهة التي يقوم بها بعض الأشخاص الذين ينسبون أنفسهم إلى مهنة الأخصائي النفسي دون توفرهم على الكفاءة اللازمة.

وأضاف الطاهري، أن تأسيس التحالف جاء أيضا في سياق الانخراط في النقاش الوطني حول الإطار القانوني المنظم للمهنة، مع العمل على المساهمة في بلورته وإطلاق برنامج وطني للتحسيس بأهمية دور الأخصائي النفسي الإكلينيكي داخل منظومة الصحة العقلية والنفسية.

وأشار الطاهري إلى أن عددا من الممارسات الحالية يشكل تطفلا على مجال الصحة النفسية، موضحا أن التعامل مع الاضطرابات النفسية يظل من اختصاص الأخصائيين المؤهلين فقط، القادرين على التشخيص الدقيق وتقديم العلاج المناسب.

كما حذر من انتشار مراكز غير مهيكلة، يديرها أشخاص يحملون شواهد غير معترف بها أو تلقوا تكوينات سطحية، ما قد يشكل خطرا حقيقيا على صحة المواطنين.

وفي هذا الإطار، لفت المتحدث إلى تزايد عدد الحالات التي تصل إلى الأطباء المختصين بعد تعرضها لتدخلات غير مهنية، حيث تكون الحالة النفسية قد تفاقمت، ما يجعل العلاج أكثر تعقيدا وطولا.

وأوضح أن بعض هؤلاء المعالجين يقترحون تقنيات مثل الاسترخاء أو “الطاقة” كبدائل عن العلاج العلمي، وهو ما يؤدي إلى تأخير التكفل الطبي المناسب وتدهور وضعية المرضى.

ولتفادي الوقوع في هذه الممارسات، دعا الطاهري المواطنين إلى التحقق من مهنية العيادات، مشيرا إلى أن العيادة القانونية تتوفر على بطاقة تعريفية للأخصائي تتضمن اسمه وتخصصه وشهاداته، فضلا عن فضاء مهني مهيأ للاستقبال، عكس بعض المراكز التي تفتقر إلى هذه المعايير.

كما شدد على ضرورة التمييز بين التخصصات المختلفة داخل علم النفس، من قبيل الأخصائي النفسي الإكلينيكي، والطبيب النفسي، والمستشار أو المدرب، مبرزا أن الخلط بينها يساهم في انتشار الممارسات غير السليمة.

وأكد أن التعامل مع الحالات التي تتطلب وصف أدوية أو متابعة سريرية يظل اختصاصا دقيقا يستوجب تكوينا متخصصا.

من جهته، أفاد الأخصائي النفسي الإكلينيكي والعصبي بالمركز الإستشفائي الجامعي ابن سينا، عبد الباري شرف، أن العديد من المرضى يصلون إلى المؤسسات الصحية العمومية بعد فشل تدخلات غير مهنية، وغالبا ما تكون حالاتهم معقدة وتحتاج إلى تدخلات مكثفة وفترات علاج أطول لاستعادة توازنهم النفسي.

وأوضح شرف، أن هذه الممارسات غير المؤطرة تشكل خطرا حقيقيا، لكونها تقدم علاجات عامة لا تراعي خصوصيات كل حالة، بل قد تؤدي إلى نتائج عكسية، مشيرا إلى أن بعض الممارسين يعتمدون على الترويج المكثف عبر مواقع التواصل الاجتماعي لبناء صورة مضللة، في حين أن العلاج النفسي العلمي يستند إلى دراسات واختبارات دقيقة ويخضع لتأطير أكاديمي مستمر.

وحذر شرف من منح تراخيص لفتح مراكز استشارية نفسية دون توفر شروط التكوين والترخيص القانوني، معتبرا أن ذلك قد يؤدي إلى تشخيصات خاطئة وعلاجات غير فعالة، ما يفاقم معاناة المرضى ويقوض ثقة المواطنين في جدوى العلاج النفسي.

ويرى المتحدث أن الإقبال على هذه الخدمات غير المؤهلة يرتبط أيضا باستمرار بعض الصور النمطية السلبية المرتبطة بزيارة الطبيب النفسي، إلى جانب قوة الترويج الإعلامي لهذه الممارسات. وهو ما يفرض تكاتف الجهود بين مختلف الفاعلين في القطاعين العام والخاص من أجل تنظيم المهنة.

ويجمع المهنيون على أن تقنين مهنة الأخصائي النفسي أصبح ضرورة ملحة، من خلال تحديد واضح للمهام والتخصصات، ووضع ضوابط أخلاقية صارمة، إلى جانب سن عقوبات في حق من ينتحلون صفة “أخصائي نفسي”، بما يضمن حماية المواطنين وتعزيز جودة خدمات الصحة النفسية بالمغرب.

من جهته، أكد فؤاد يعقوبي، رئيس الجمعية المغربية للباحثين والأخصائيين النفسيين الاجتماعيين ونائب الكاتب العام للنقابة الوطنية للأخصائيين النفسيين، أن أبرز الإشكالات التي يعرفها القطاع تتمثل في غياب إطار قانوني تنظيمي شامل وواضح يحدد من يحق له استعمال صفة أخصائي نفسي، والشروط المرتبطة بالتكوين والتدريب الميداني والترخيص.

وأضاف يعقوبي، في تصريحه، أن هناك تفاوتا كبيرا في مستويات التكوين والممارسة، ما يفضي إلى وجود ممارسين بكفاءات علمية ضعيفة أو غير معترف بها، وهو ما يفتح المجال أمام انتحال الصفة وانتشار ممارسات غير مؤهلة، سواء داخل بعض المراكز أو عبر الإنترنت.

وأشار إلى أن بعض الممارسات تحول العمل النفسي إلى نشاط ربحي قائم على استغلال معاناة الأشخاص بدل اعتباره مهنة مؤطرة بالكفاءة والأخلاقيات، مبرزا أن عددا من المراكز غير القانونية تستغل رغبة المواطنين في الحصول على الدعم، وتعمد إلى الترويج لخدماتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أحيانا بالاستعانة بمؤثرين ومشاهير، مع فرض “جلسات” بأسعار مرتفعة.

كما نبه إلى أنه في حال وقوع أخطاء في التشخيص أو تسجيل آثار نفسية سلبية، تغيب آليات واضحة للمحاسبة والمساءلة، ما ينعكس على الأمن الصحي والنفسي للمواطنين.

وأوضح أن النقابات والجمعيات المهنية تطالب بإصدار قانون ينظم مهنة الأخصائي النفسي، يشمل تحديد شروط التكوين والتدريب العملي، وإحداث سجل وطني للأخصائيين، وإرساء هيئة تنظيمية لمراقبة الممارسة، إلى جانب فرض عقوبات على انتحال الصفة، ومراجعة الرخص الممنوحة سابقاً، وإطلاق حملات توعوية لتعريف المواطنين بالأخصائي النفسي المؤهل وحقوقهم.

videossloader مشاهدة المزيد ←