إدماج الذكاء الاصطناعي في العمل البرلماني.. بين رهان الرفع من الأداء المؤسساتي ومتطلبات الحماية القانونية

إدماج الذكاء الاصطناعي في العمل البرلماني.. بين رهان الرفع من الأداء المؤسساتي ومتطلبات الحماية القانونية

أضحى إدماج الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في العمل البرلماني ضرورة ملحة، تفرض الموازنة الدقيقة بين الرفع من النجاعة المؤسساتية وتكريس السيادة الرقمية الوطنية.

وتستدعي هذه الدينامية المتسارعة انخراطا جديا لمختلف الفاعلين من أجل استثمار الفرص التكنولوجية وتطويق التحديات الأخلاقية والقانونية المصاحبة لها.

ويشكل إدماج هذه التكنولوجيات الحديثة في المؤسسة التشريعية خطوة مهمة نحو تعزيز فعاليتها على مختلف المستويات.

فاستعمال أدوات الذكاء الاصطناعي يتيح إمكانيات هائلة لتحليل البيانات التشريعية المعقدة بسرعة ودقة، ما يدعم اتخاذ قرارات سديدة ومدروسة.

علاوة على ذلك، تسهم هذه التقنيات في تجويد آليات الرقابة البرلمانية، سواء من خلال تقييم السياسات العمومية أو تتبع تنفيذ القوانين، فضلا عن تحسين التفاعل مع المواطنين عبر أدوات ذكية قادرة على تحليل آرائهم والتواصل معهم بفعالية، وهو ما يمهد لإحداث نقلة نوعية في كيفية تفاعل البرلمان مع مطالب المجتمع.

غير أن هذه الآفاق الواعدة تطرح، في المقابل، تحديات جوهرية ترتبط بالخصوصية والشفافية وحماية البيانات، ما يفرض ضرورة الإسراع بوضع خارطة طريق وطنية وتأطير هذا المجال بمبادئ والتزامات وأخلاقيات عامة، مع مراعاة القيم والثوابت المغربية.

وفي هذا الصدد، أكد رئيس مجموعة العمل الموضوعاتية المؤقتة حول “الذكاء الاصطناعي: آفاقه وتأثيراته” بمجلس النواب، أنوار صبري، على أهمية إدماج الذكاء الاصطناعي في العمل البرلماني وأثره على تجويد أداء المؤسسة التشريعية، مبرزا أن إدماج كفاءات ومهن جديدة داخل البرلمان، كالمبرمجين ومحللي نظم وخبراء أمن البيانات، “أضحى ضرورة مؤسساتية حتمية”.

وشدد صبري، في تصريح صحفي، على ضرورة تقوية وحماية البنية الرقمية الداخلية للمؤسسة التشريعية بما يواكب تحولات العصر، من خلال إطار قانوني ملائم.

كما أكد على ضرورة التمييز بين الانفتاح على التكنولوجيا العالمية وبين الارتهان لها، وفق مقاربة ترتكز على إحداث شراكات متوازنة ونقل للمهارات، وتوطين تدريجي للحلول والخدمات، وذلك في إطار قانوني وتنظيمي صارم يحدد أنواع المعطيات التي ينبغي أن تخضع للتخزين المحلي، وشروط الولوج إليها، وكيفية استغلالها.

وأضاف أن الحديث عن السيادة الرقمية لم يعد ترفا فكريا بل شرطا أساسيا من شروط السيادة الوطنية، داعيا إلى إحداث “مراكز بيانات وطنية أو سحب سيادية تستضيف المعطيات ذات الطابع الاستراتيجي داخل التراب الوطني”، وذلك بالاستناد إلى الخبرات الوطنية المتراكمة في مجالات البنية التحتية الرقمية والأمن المعلوماتي.

وبخصوص التهديدات التي تستوجب تدخلا تشريعيا عاجلا، نبه صبري، على الخصوص، إلى الاستعمال غير المشروع للمعطيات الشخصية، ومخاطر التحيز الخوارزمي في القطاعات الحساسة، وغياب الشفافية في الأنظمة الذكية، محذرا من التهديدات المحدقة بالأمن السيبراني المرتبط بالبنيات الحيوية، ومخاطر التزييف العميق والتلاعب بالمحتوى.

ولضمان عدم بقاء “الميثاق الوطني لأخلاقيات وسلامة أنظمة الذكاء الاصطناعي” مجرد توصية لمجموعة العمل الموضوعاتية المؤقتة حول “الذكاء الاصطناعي”، يقترح صبري مقاربة ثلاثية الأبعاد؛ تبدأ بالتأطير التشريعي الدقيق، مرورا بإرساء آليات مؤسساتية للحكامة والرقابة، وصولا إلى ربط الامتثال بالمساءلة والجزاء، مشيرا في هذا الإطار إلى ضرورة جعل احترام معايير الأخلاقيات والسلامة شرطا إلزاميا في الصفقات العمومية والاعتمادات الرقمية.

ولا ينفصل هذا التوجه عن السياق الدولي، الذي يتسم بتنافس متزايد على ريادة الذكاء الاصطناعي، ما يضع المشرع المغربي أمام حتمية مزدوجة تتمثل في استيعاب التطورات التقنية المتسارعة من جهة، وتحصين الترسانة القانونية الوطنية من جهة أخرى.

وفي هذا الصدد، اعتبر عثمان الزياني، أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، بجامعة محمد الأول بوجدة، أن الإطار القانوني الوطني المؤطر للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يتسم بطابع “مجزأ”، داعيا إلى الانتقال من منطق التفاعل مع التطور التقني بعد وقوعه إلى منطق الاستباق، من خلال إرساء إطار قانوني أفقي موحد وشامل، يقوم على سياسة تشريعية مرنة تحتكم لمقاربة المخاطر وحماية الحقوق، مع اعتماد آليات التحيين الدوري لمواكبة النسق المتسارع للتكنولوجيا.

وعلى مستوى العمل البرلماني، أوضح الأستاذ الباحث أن استثمار التقنيات الرقمية في تحليل البيانات ودعم تقييم السياسات العمومية ينبغي أن يظل في حدود “العنصر المساعد”، بالنظر إلى طبيعة العمل البرلماني، مع ضمان الشفافية التامة بشأن الأدوات المستخدمة ومصادر بياناتها، لكي يقود الإنسان الذكاء الاصطناعي وليس العكس.

ودعا البرلمان إلى الانخراط الفعلي في حماية السيادة الرقمية الوطنية، وذلك من خلال سن قوانين تنظم المشتريات العمومية الرقمية، وتقلص التبعية للمزودين الخارجيين، وتفرض شروط التدقيق في البنيات الحيوية، إلى جانب تفعيل رقابة برلمانية منسقة لمنع تحول الرقمنة إلى نمط جديد من الاستتباع التكنولوجي.

وارتباطا برهانات “المغرب الرقمي 2030″، أكد الأستاذ الباحث على ضرورة الاستثمار في الإطار المؤسساتي عبر إحداث هيئة مكلفة بتنزيل الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي. وأوصى بأن تكون هذه الهيئة مستقلة وظيفيا لضمان الموضوعية والموثوقية.

وفي ظل توجه متزايد للمؤسسات التشريعية عبر العالم نحو رقمنة دوراتها التشريعية بالكامل، بات على البرلمان المغربي تسريع وتيرة انخراطه الاستراتيجي في هذا الورش.

وفي هذا الإطار، سجل الباحث في الشأن البرلماني، جمال الدنسيوي، أن انخراط المؤسسة التشريعية في ورش الذكاء الاصطناعي يندرج ضمن مسار استراتيجي أوسع يروم تعزيز الشفافية ويكرس نموذج “البرلمان الإلكتروني”، لا سيما عقب الانضمام لمبادرة الشراكة من أجل الحكومة المنفتحة سنة 2019، مبرزا أن هذا المسار تعزز بإطلاق الخطة الثالثة (2025-2028) التي تضع التقنيات الذكية في صلب تحديث العمل البرلماني، بانسجام تام مع أهداف استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، بما يمكن من تجويد الأداء وأرشفة الوثائق وتسهيل التواصل.

وأوضح الباحث أن هذا الإدماج من شأنه أن يعيد هيكلة وظائف البرلمان وتطويرها جذريا، عبر تسريع إعداد النصوص التشريعية وتحليلها وملاءمتها مع الالتزامات الدولية لضمان الأمن القانوني، والانتقال نحو رقابة وتقييم مبنيين على البيانات الدقيقة، مستدلا بالتنزيل العملي المتمثل في نظام التفريغ الآلي للمداولات باللغة العربية والعامية المغربية (الدارجة)، كآلية فعالة لتسريع إعداد المحاضر والرفع من كفاءة العمل البرلماني

والمؤكد أن رقمنة المؤسسة التشريعية المغربية وإدماج الذكاء الاصطناعي في عملها بات يشكل استحقاقا مؤسساتيا لا محيد عنه في ظل التحولات العالمية الراهنة. فبينما توفر هذه التكنولوجيات فرصا للارتقاء بالعمل البرلماني، فإنها تثير رهانا حقيقيا يتمثل في حماية السيادة الرقمية الوطنية.

ويظل نجاح هذا الانتقال نحو “البرلمان الرقمي” رهينا بمدى القدرة على خلق توازن دقيق بين الانفتاح على الابتكار التكنولوجي العالمي، وبين إرساء حواجز حماية قانونية وأخلاقية صارمة، تضمن أن يظل الذكاء الاصطناعي في خدمة الديمقراطية، وأن تبقى الكلمة الفصل دائما للعقل البشري.

videossloader مشاهدة المزيد ←