
تزامنا مع نقاشات البرلمان.. المستجدات ونقط الخلاف بمشروع قانون المحاماة

ما يزال مشروع قانون مهنة المحاماة يثير موجة واسعة من الجدل والاختلاف في المواقف، سواء داخل المؤسسة التشريعية حيث تتواصل مناقشته، أو خارج أسوار البرلمان، حيث احتجّ أساتذة جامعيون ضد بعض المقتضيات المرتبطة بشروط الولوج إلى المهنة.
وفي خضم هذه التطورات، برمجت جمعية هيئات المحامين بالمغرب لقاء خلال الأسبوع الجاري لمناقشة مستجدات المشروع إلى جانب عدد من القضايا المهنية الأخرى، بعدما سبق لها أن لجأت إلى رئيس الحكومة من أجل التدخل والتوسط بشأن عدد من النقط الخلافية.
ويطالب الأساتذة المحتجون بتعديل المادتين 13 و14 من المشروع، معتبرين أن الصيغة الحالية لا تنصف الجامعة ولا تثمن الخبرة العلمية والبحثية لأساتذة القانون، رغم الدور المركزي الذي يضطلعون به في تكوين الأطر القانونية والقضائية، بل وحتى المحامون أنفسهم.
وتنص المادة 13 على أنه “يعفى من الحصول على شهادة الكفاءة لممارسة مهنة المحاماة ومن التمرين، مع قضاء سنة واحدة من التمرين بمكتب محام يعينه النقيب أساتذة التعليم العالي في مادة القانون الذين مارسوا بعد ترسيمهم مهنة التدريس لمدة ثمان سنوات بإحدى كليات العلوم القانونية بالمغرب، بعد إحالتهم إلى التقاعد ما لم يكن ذلك لسبب تأديبي، أو بعد قبول استقالتهم شريطة ألا يتجاوز سنهم خمسة وخمسين سنة عند تقديم الطلب”.
أما المادة 14، فتتعلق بحالات التنافي، حيث تنص على أن مهنة المحاماة تتنافى مع “جميع الوظائف الإدارية والقضائية باستثناء ممارسة التدريس بصفة عرضية في المعاهد والكليات”.
لم تخل اجتماعات مناقشة المشروع داخل البرلمان من تباينات واضحة بشأن عدد من مواده، خاصة تلك المتعلقة بشروط الولوج إلى المهنة.
وتشترط المادة الخامسة ألا يقل سن المترشح عن 21 سنة ولا يتجاوز 40 سنة عند اجتياز مباراة ولوج معهد تكوين المحامين. كما تشترط الحصول على شهادة الماستر أو الماستر المتخصص أو دبلوم الدراسات العليا المعمقة أو المتخصصة، أو ما يعادلها من شهادات وطنية صادرة عن كليات العلوم القانونية بالمغرب، إلى جانب النجاح في مباراة الولوج واستكمال فترات التكوين والتمرين للحصول على شهادة الكفاءة المهنية.
وفي هذا السياق، اعتبرت البرلمانية نجوى كوكوس، عن فريق الأصالة والمعاصرة، أن النقاش المرتبط بشروط الولوج لا ينبغي فهمه بمنطق الإقصاء أو التضييق، بل باعتباره جزءا من رؤية تهدف إلى الارتقاء بجودة العدالة وتطوير مهنة المحاماة وتعزيز كفاءة الممارسين.
وأكدت أن اشتراط شهادة الماستر يشكل مدخلا إيجابيا لتقوية الرصيد القانوني للمترشحين وتوسيع مداركهم البحثية والرفع من مستوى المرافعات.
في المقابل، انتقدت البرلمانية لبنى الصغير هذه الشروط، ووصفتها بـ”الانتقائية” و”المعقدة”، معتبرة أنها لا تخدم مبدأ تكافؤ الفرص، كما تعكس بحسب تعبيرها تشكيكا ضمنيا في قدرة الجامعة العمومية وكفاءة خريجي كليات الحقوق.
كما برزت الاختلاف حول ولوج الأجانب للمهنة، وفي رده على مداخلات النواب، شدد وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، على أن الولوج رهين بالتقيد بالمقتضيات القانونية.
وفي السياق ذاته، أثارت المادة 77 بدورها تحفظات عدد من البرلمانيين الذين اعتبروا أنها “تقيد عمل المحامي”، إذ تنص على أن المحكمة تحرر محضرا مستقلا بشأن ما قد يقع من سب أو قذف أو إهانة أو إخلال بالسير العادي للجلسة، على أن يحال المحضر إلى النقيب والوكيل العام للملك المختصين لاتخاذ المتعين قانونا.
نقط خلافية أخرى أثارتها الفيدرالية الديمقراطية للشغل التي تقدمت بطلب إلى مجلس المنافسة من أجل إبداء رأيه بشأن القيود المفروضة على الولوج إلى مهنة المحاماة، معتبرة أنها تمس بمبادئ المنافسة وتكافؤ الفرص.
وطالبت برفع ما وصفته بـ”القيود الكمية” التي تحد من ولوج المهنة، وعلى رأسها شرط تحديد سن أقصى لاجتياز امتحان الأهلية، والذي يبلغ حاليا 45 سنة، مع توجه لتخفيضه إلى 40 سنة ضمن مشروع القانون الجديد.
وأكدت أن هذا القيد يضع المغاربة في وضعية غير متكافئة مقارنة ببعض الأجانب الذين يمكنهم ممارسة المهنة بالمغرب دون التقيد بنفس الشروط العمرية.
كما انتقدت الفيدرالية ما اعتبرته إقصاء بعض المسالك المهنية الوطنية من الولوج المباشر إلى المحاماة، خاصة موظفي كتابة الضبط وموظفي الإدارات والمؤسسات العمومية المكلفة بالشؤون القانونية، رغم ارتباط اختصاصاتهم بالمجال القضائي، مقابل السماح لمسالك أخرى مماثلة بولوج المهنة.
في هذا السياق، يرى المحامي أحمد عبد الوقور، أن رأي مجلس المنافسة توصل بمراسلات هئيات مهنية وسيباشر إعداد رأيه، مبرزا أن مشروع القانون “يُشدد شروط الولوج ليساهم في الرفع من جودة التكوين، لكنه في المقابل يثير تخوفات مشروعة مرتبطة بإمكانية تضييق الولوج أمام فئات واسعة من خريجي كليات الحقوق”.
وأضاف، في تصريح صحفي، أن المحاماة ليست مجرد مهنة تقنية، بل جزء من منظومة العدالة والحقوق والحريات، لذلك فإن أي إصلاح يجب أن يتم بمنطق تشاركي واسع يضم الجامعة والمحامين والقضاة وباقي المتدخلين، حتى يحظى القانون بالقبول المهني والمجتمعي”.
أما عبد الفتاح سعيدي، عن هيئة طنجة، فيرى أن الجدل الدائر “يعكس حجم التحولات التي تعرفها مهنة المحاماة بالمغرب”، مشددا على أن النقاش لا يجب أن يختزل فقط في شرط السن أو شهادة الماستر، بل ينبغي أن يمتد إلى جودة التكوين والتأطير المهني والأوضاع الاقتصادية للمحامين الشباب، لأنها أيضا من أبرز النقط الخلافية.
وأوضح أن إحداث معهد خاص بتكوين المحامين يمكن أن يشكل خطوة إيجابية إذا تم توفير شروط الاستقلالية والنجاعة، غير أن نجاح التجربة، بحسبه، يبقى رهينا بضمان الشفافية وتكافؤ الفرص في مباريات الولوج والتكوين.
مشاهدة المزيد ←







