
الدكتور بنطلحة يعبُر سبتة في “الإلدورادو الجديد”.. الأوهام تقود الشباب للمجهول

د. محمد بنطلحة الدكالي – مدير المركز الوطني للابحاث والدراسات حول الصحراء
قبل خمسة قرون انطلق الإسبان يبحثون عن “إلدورادو”، الأسطورة التي دفعت آلاف البشر إلى مغادرة أوطانهم والمجازفة بحياتهم.
وكانت الروايات المتداولة آنذاك تتحدث عن زعيم من السكان الأصليين كان يغطي جسده بالذهب ويغتسل في بحيرة مقدسة، فيما تُلقى الحلي والقطع الذهبية في مياهها قرابين للآلهة.
وما لبثت هذه الروايات أن تحولت، في المخيلة الأوروبية، إلى قصة مدينة كاملة من الذهب، ثم إلى مملكة تختزن ثروات لا تنضب؛ وانطلقت الحملات الاستكشافية تبحث عنها في غابات الأمازون وسفوح جبال الأنديز، ومات كثير من المغامرين تحت قسوة الطبيعة، دون أن يعثر عليها أحد.
ومع ذلك بقيت الأسطورة حية، لأن جوهرها تحول إلى وعد بأرض تختصر الطريق إلى الثراء والسعادة.
وتكرر المشهد بعد ثلاثة قرون مع حمى الذهب في كاليفورنيا وكلوندايك الكندية، حيث اندفع عشرات الآلاف بحثاً عن الثراء، وعاد معظمهم خاليي الوفاض أو فقدوا حياتهم، بينما ذهبت الأرباح الكبرى، في كثير من الأحيان، إلى من باعوا المؤن والأدوات للباحثين عن الذهب.
وتتجاوز هذه الوقائع حدود التاريخ، لأنها تكشف عن نزعة إنسانية تتكرر كلما التقى الأمل بصورة مثالية عن المستقبل؛ فالإنسان يرحل هرباً من واقع يطمح إلى تجاوزه، ويسعى، في الوقت نفسه، وراء حلم يعتقد أنه قادر على تغيير حياته دفعة واحدة، حتى وإن كانت فرص بلوغه محدودة.
ومن هذا المنظور تبدو أحداث سبتة خلال الأيام الأخيرة أكثر من مجرد أزمة حدودية عابرة، فقد اندفع آلاف الشباب المغاربة، وبينهم عدد كبير من القاصرين، نحو المدينة في وقت وجيز، في واحدة من أكبر موجات العبور التي عرفتها المنطقة.
وفي معرض تفسيره لهذا التدفق غير المسبوق أوضح رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، أن شبكات تهريب البشر استغلت حكماً أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في 29 يونيو 2026، وروجت له على نحو أوحى لآلاف الشباب بأن الوصول إلى سبتة سباحة سيمنع إعادتهم إلى المغرب.
وكان الحكم صدر في قضية مهاجر جزائري اعترضه الحرس المدني الإسباني في البحر أثناء محاولته الوصول سباحة إلى سبتة، قبل أن يُعاد مباشرة إلى المغرب.
وفرقت المحكمة بين من يصلون بحراً، حيث لا يوجد حاجز مادي على الحدود، فيخضعون للمسطرة الإدارية العادية، وبين من يحاولون تجاوز عناصر الاحتواء الحدودية، كالسياج الحدودي، حيث يظل نظام الإرجاع الفوري قابلاً للتطبيق.
غير أن هذا التفريق القانوني سرعان ما تحول، بفعل التأويل المضلل، إلى وعد جديد بالعبور، وأعاد إلى أذهان كثير من الشباب ذلك الحلم القديم بأن الضفة الأخرى أصبحت أقرب من أي وقت مضى.
لكن الحلم اصطدم بالواقع سريعاً، فقد تجاوز عدد الوافدين قدرة المدينة على الاستيعاب، وتعذر الانتقال إلى البر الإسباني، فعاد معظمهم إلى المغرب بعدما اتضح أن الوصول إلى سبتة لا يعني الوصول إلى أوروبا.
ولا يختلف هذا المشهد كثيراً عما تشهده مناطق أخرى من العالم؛ فمن الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة، حيث سجلت السلطات الأمريكية، في بعض السنوات، أكثر من مليوني حالة اعتراض لمهاجرين خلال عام واحد، إلى غابة دارين بين كولومبيا وبنما، أحد أخطر مسارات الهجرة في العالم، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، تتبدل طرق العبور وأمكنتها، بينما يبقى الوعد بأرض يُعتقد أنها تختصر الطريق إلى حياة أفضل هو القوة التي تدفع البشر إلى المجازفة، مهما اختلفت الخرائط وتبدلت الحدود.
وهكذا أعادت سبتة إحياء أسطورة “الإلدورادو” في ثوب جديد.
فالإلدورادو لم يكن في يوم من الأيام مدينة من ذهب، كما كشفت سبتة أنها ليست البوابة التي تختصر الطريق إلى حياة أخرى مفروشة بالورود؛ كلاهما وعد نسجه الخيال حتى بدا أقرب إلى الحقيقة.
وفي المقابل تتوارى قصص الذين عادوا خاليي الوفاض، والذين أنهكتهم قسوة الغربة، والذين ابتلع البحر أحلامهم، فلا تشق طريقها إلى الذاكرة إلا حكايات الوصول. وتتغير الخرائط، وتتبدل الأمكنة، بينما يظل الإنسان يطارد الوعد ذاته، مؤمناً بأن الحياة التي ينشدها تنتظره دائماً في مكان آخر، قبل أن يكتشف، كما اكتشف الباحثون عن “الإلدورادو”، أن الطريق الذي يعد بكل شيء دفعة واحدة لا يقود، في الغالب، إلا إلى سراب.
مشاهدة المزيد ←







