
تحديات المناخ والأزمات.. دعوة لتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية وضمان استدامتها

دعا مشاركون بالمنتدى البرلماني الدولي للعدالة الاجتماعية، إلى تسريع تنزيل الإصلاحات الاجتماعية وبناء سياسات أكثر إنصافا قادرة على تحصين المجتمع، خصوصا في ظل الاضطرابات المناخية التي باتت تشهدها المملكة وتداعيات الأزمات العالمية.
أكد رئيس مجلس المستشارين محمد ولد الرشيد، خلال افتتاح الدورة العاشرة للمنتدى البرلماني الدولي للعدالة الاجتماعية، الاثنين 9 فبراير 2026، أن المغرب، بفضل الرؤية الملكية، بات يتوفر على خارطة طريق واضحة المعالم تروم استدراك العجز التنموي وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، مشددا على أن نجاح هذا المسار يظل رهينا بتعبئة جماعية تقوم على تسريع وتيرة التنزيل، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتأهيل الحكامة، إلى جانب تعميق الإصلاحات مع إخضاعها لتقييم مستمر يضمن استدامة آثارها.
سجل ولد الرشيد، في كلمته خلال فعاليات المنتدى الذي نظمه مجلس المستشارين بشراكة مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، أن كسب رهان العدالة الاجتماعية لم يعد مرتبطا فقط بالسياسات الوطنية، بل أصبح مشروطا أيضا بقدرة البلاد على التكيف مع تحولات عالمية عميقة، في مقدمتها الفجوات التكنولوجية والرقمية، وتدفقات الهجرة، وتصاعد النزاعات الجيوسياسية، وتواتر الأزمات الاقتصادية، فضلا عن التغيرات المناخية، التي أضحت تشكل تهديدا مباشرا للمكتسبات الاجتماعية والتنموية.
واستحضر، في هذا السياق، ما تشهده مناطق واسعة من أقاليم الشمال والغرب من فيضانات واضطرابات مناخية غير مسبوقة، معتبرا أنها تجسد بشكل ملموس تداعيات التغير المناخي على الفئات الاجتماعية والمجالات الترابية.
وأبرز أن تدبير المغرب لمختلف الأزمات، سواء خلال جائحة كوفيد-19 أو عقب زلزال الحوز سنة 2023، قدم نموذجا وطنيا في التعبئة والتضامن، بفضل التوجيهات الملكية التي تضع حماية الإنسان في صلب الاختيارات الاستراتيجية.
وأوضح رئيس مجلس المستشارين أن اختيار شعار الدورة الحالية: “العدالة الاجتماعية في عالم متحول: الحاجة إلى سياسات منصفة لمجتمعات أكثر صمودا” يعكس طبيعة التحديات الراهنة، مبرزا أن الرهان يقوم على ثلاثية مترابطة: اقتصاد قوي ومنتج لفرص الشغل، ومجتمع متماسك قائم على تقليص الفوارق، وحكامة فعالة تضمن استدامة المكتسبات.
من جانبه، أكد رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أن ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي أطلقه جلالة الملك، يشكل حجر الزاوية في بناء مغرب أكثر عدلا وإنصافا وقادرا على الصمود في مواجهة الأزمات.
واستعرض، في كلمة ألقاها نيابة عنه الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، أبرز منجزات هذا الورش، مشيرا إلى أن نظام “AMO تضامن” مكن أزيد من 11 مليون مواطن غير قادرين على أداء واجبات الاشتراك من الاستفادة من التغطية الصحية، بكلفة سنوية تناهز 9,5 مليار درهم تتحملها الدولة، مع تمكينهم من نفس سلة العلاجات المتاحة في القطاعين العام والخاص، إضافة إلى مجانية العلاج بالمؤسسات العمومية.
كما أبرز أن المستشفيات العمومية عالجت إلى حدود يناير الماضي نحو 16 مليون ملف تعويض عن المصاريف الصحية، فيما تم إلغاء ديون التأمين الإجباري الأساسي عن المرض لفائدة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، مع إعفاء العمال غير الأجراء من الغرامات ومصاريف التحصيل إلى غاية 30 يونيو 2023.
وفي هذا الصدد، بلغ عدد المسجلين من هذه الفئة أكثر من 1,7 مليون شخص إلى نهاية 2025، فيما وصل مجموع المستفيدين، بمن فيهم ذوو الحقوق، إلى 3,9 ملايين فرد، مع معالجة 4,4 ملايين ملف بمعدل يومي يناهز 6 آلاف ملف.
وبخصوص برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، أفاد رئيس الحكومة بأن عدد الأسر المستفيدة عبر المنصة الرقمية asd.ma بلغ حوالي 3,9 ملايين أسرة، أي ما يعادل 12,5 مليون مستفيد، بينهم 5,5 ملايين طفل وأكثر من 1,7 مليون مسن، بكلفة تراكمية تقارب 53 مليار درهم.
وأكد أن تعزيز الحماية الاجتماعية يواكبه تأهيل المنظومة الصحية، حيث تم إنجاز 29 مشروعا استشفائيا بين 2022 و2025 أضافت 3168 سريرا، مع برمجة استكمال 20 مستشفى إضافيا خلال السنة الجارية بطاقة تفوق 3000 سرير.
كما استفاد من برنامج الدعم المباشر للسكن، أكثر من 72 ألف شخص إلى غاية أكتوبر 2025، بقيمة إجمالية للمساكن بلغت 29,8 مليار درهم، ساهمت الدولة فيها بـ5,9 مليارات درهم.
بدوره، ركز رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عبد القادر أعمارة، على البعد الاستراتيجي لمفهوم الصمود المجتمعي، معتبرا أن صمود الدول لم يعد يقاس فقط بمعدلات النمو، بل بمدى قدرتها على حماية مواطنيها في الأزمات وضمان الكرامة وتكافؤ الفرص.
ونبه أعمارة إلى استمرار تحديات بنيوية تستدعي استكمال شروط التنزيل الأمثل لورش الحماية الاجتماعية، مؤكدا أن هذه المنظومة على أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان الصمود، الذي يقوم على منظومة متكاملة من المقومات الاقتصادية والاجتماعية والبشرية.
وفي هذا السياق، قدم رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حزمة “توصيات عملية لبناء مجتمعات أكثر صمودا”، في مقدمتها تثمين الرأسمال البشري عبر منظومة تعليم وتكوين دامجة وملائمة لتحولات سوق الشغل، وتعزيز قابلية التشغيل، خاصة في ظل التطور التكنولوجي.
كما أوصى بحماية الفئات الهشة من خلال تطوير اقتصاد الرعاية والاقتصاد الفضي، وتعزيز أنظمة الدعم النقدي المباشر القائمة على الاستهداف الدقيق، إلى جانب تسريع تنزيل الجهوية المتقدمة بما يعزز الإدماج الترابي ويقلص الفوارق المجالية.
وشملت التوصيات أيضا النهوض بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني كرافعة للإدماج ومحاربة الفقر، وتنويع النسيج الاقتصادي عبر تحفيز الاندماج في القطاع المنظم، فضلا عن دعم الابتكار والبحث العلمي وتسريع التحول الرقمي وتوظيف الذكاء الاصطناعي في الإدماج الاقتصادي والاجتماعي وفك العزلة المجالية.
كما شدد رئيس المجلس على أهمية تعزيز الأمن الغذائي والمائي كركيزة للصمود في ظل التغيرات المناخية، مع اعتماد مقاربات استباقية للتكيف تشمل تأهيل الموارد البشرية وملاءمة الأنشطة الاقتصادية والبنيات التحتية.
ودعا، في أفق بلورة نموذج وطني متكامل للعدالة الاجتماعية، إلى الارتكاز على أربع دعامات رئيسية؛ أولها تحديد أهداف واضحة تضع المواطن في صلب السياسات، عبر الحد من الفقر والتفاوتات وتعزيز الحماية من مخاطر فقدان الشغل وضمان معاش كريم.
أما الدعامة الثانية فتتعلق باعتماد معايير تقييم موضوعية لنجاعة السياسات الاجتماعية، تُسند إلى هيئات مستقلة لضمان الشفافية، فيما تهم الدعامة الثالثة ضمان التقائية السياسات العمومية، خاصة بين تعميم التغطية الصحية وتأهيل العرض الصحي.
وتتمثل الدعامة الرابعة، وفق أعمارة، في تحسين آليات التمويل عبر توسيع الوعاء الضريبي، وإدماج القطاع غير المنظم، وتنويع مصادر التمويل، بما فيها الشراكات بين القطاعين العام والخاص، لضمان استدامة نموذج الدولة الاجتماعية.
مشاهدة المزيد ←







