غير أن هذه المقابلة البائسة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق العام الذي جاءت فيه، وهو سياق اتسم بدخول ملف الصحراء المغربية طورا أقرب إلى الحسم، بعد ما عرفه من تطورات لافتة داخل مجلس الأمن، وما أفرزته المفاوضات الأخيرة في مدريد من إعادة ترتيب بينة للأدوار.
لقد وجدت الجزائر نفسها منخرطة في المسار التفاوضي على نحو مباشر، بعدما ظلت طويلا تقدم نفسها باعتبارها خارج دائرة النزاع، مكتفية بدور الداعم «المبدئي» لأطروحات الانفصال..!
في ظل هذا التحول، بدت تلك المشاهد الاحتفالية وكأنها محاولة للحاق بقطار غادر المحطة منذ زمن بعيد، وسعيا متأخرا إلى صناعة انتصار زائف، في وقت تتقدم فيه الوقائع السياسية بخطى أسرع من قدرة الشعارات الوهمية على مواكبتها.
من منظور تحليلي أدق، يمكن فهم هذه الظواهر عبر مفاهيم فرويد حول آليات الدفاع النفسي، التي لا تقتصر على الأفراد بل تمتد — رمزيا — إلى السلوك الجماعي والسياسي، فعندما يتصاعد ضغط الواقع أو تهتز صورة الذات، تنشط آليات مثل «التعويض» عبر إنتاج إنجاز رمزي بدل الفعلي، و«الإزاحة» بنقل التوتر من ساحة الوقائع إلى ساحة قابلة للضبط، و«التماهي» باستدعاء رموز تمنح إحساسا بالاستمرارية. في السياسة تتجسد هذه الآليات في طقوس احتفالية تؤدي وظيفة نفسية واضحة: إعادة فرض معنى بديل حين يتعذر فرضه في الواقع.
هكذا بدا اللقاء أشبه بالفصل الأخير في مسرحية امتد عرضها طويلا؛ فصافرة النهاية التي أعلنت ختام المباراة لم تكن في حقيقتها سوى إعلان رمزي عن ختام مرحلة بكاملها.
عندما تتحرك الملفات الحاسمة في غرف القرار، يغدو ما يحدث على العشب مجرد صدى خافت لوقائع تحسم في مكان آخر.
وحين أسدل الستار على هذه” المباراة الأخيرة قبل الاعتزال« ، لم ترفع كأس ولم يدون انتصار، بل تركت عبارة واحدة تتردد كخلاصة للمشهد كله: «شكرا على المشاركة… انتهى العرض.»









