من أبرز من جسدوا هذا الخيار الباشاغا سعيد بوعلام (1906-1982) الذي كان قائدا لإحدى أكبر الوحدات الحركية خلال الحرب، وانتخب أربع مرات نائبا لرئيس الجمعية الوطنية، في سابقة لافتة لمسلم جزائري في ظل الجمهورية الخامسة.
في كتابه “فرنسا وطني” (Mon pays, la France) عبر بوضوح عن شعور شريحة من هؤلاء حين كتب: “فرنسا هي وطني… لقد دافعنا عنها معا تحت العلم نفسه”.
لم تكن عبارته مجرد موقف سياسي، بل خلاصة إحساس بالانتماء تشكل عبر عقود من الخدمة العسكرية والإدارة والتعليم؛ إحساس تحول بعد الاستقلال مباشرة إلى قدر مأساوي لكثيرين.
فبعد وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962، لم يرحل إلى فرنسا سوى 42 ألفا إلى 60 ألفا من الحركيين وعائلاتهم، بينما بقي ما بين 130 ألفا و200 ألف داخل البلاد.
وخلال أشهر قليلة فقط، تشير تقديرات المؤرخين إلى سقوط ما بين 60 ألفا و80 ألف قتيل منهم ومن أقاربهم.
أما الذين تم نقلهم إلى فرنسا، فقد أخرجوا من البلدات والقرى التي كانوا يعيشون فيها إلى مخيمات معزولة، بعد أن هجروا البيوت والأحياء التي عرفوها لعقود.
لم ينتقلوا إلى حياة جديدة طبيعية، بل وضع كثير منهم في مخيمات مثل “Rivesaltes” و”Bias” و”Saint-Maurice-l’Ardoise” و”Larzac”، في ظروف معيشية قاسية، وعانوا من التهميش الاجتماعي وصعوبة الاندماج لعقود طويلة.
كانت الهجرة بالنسبة إليهم انتقالا من هوامش مجتمع إلى هوامش آخر.
ظل ملفهم مؤجلا في الذاكرة الفرنسية الرسمية إلى أن اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 20 شتنبر 2021 بمسؤولية الدولة الفرنسية في التخلي عنهم، وطلب منهم الصفح، وأقر لاحقا قانونا لتعويضهم ماديا ومعنويا. ومع ذلك، يبقى الجرح لدى كثيرين أعمق من أن تداويه الاعتذارات.
لم تكن تلك الأحداث مواجهة بين شعبين بقدر ما كانت انفجارا داخليا: تصفيات محلية، ثأر قبلي، وانتقام سياسي.
وفي بعض مناطق القبائل وردت شهادات عن تعذيب رمزي قاس عرف باسم “الابتسامة القبائلية”، حيث تشق الشفتان أو يمزق الفم فيبدو الوجه كأنه يحمل ابتسامة ثابتة مرعبة، ضمن أساليب عنف هدفت إلى بث الرعب الجماعي.
ولم يكن المنفى مصير الحركيين وحدهم. فقد غادر ذوو الأصول الأوروبية الذين يوصفون بالأقدام السوداء”Pieds noirs” -وهم قرابة مليون نسمة سنة 1954-البلاد جماعيا سنة 1962؛ إذ رحل 800 ألف إلى 900 ألف خلال أشهر قليلة، تاركين وراءهم بيوتا وممتلكات ومقابر عائلية.
وكذلك غادر معظم يهود الجزائر، الذين كان عددهم يقارب 130 ألفا إلى 140 ألفا وكانوا مواطنين فرنسيين منذ مرسوم كريميو (Le décret Crémieux) سنة 1870م، منهين وجودا استمر قرابة ألفي عام.
وفي بضعة أشهر فقط، فقدت الجزائر جزءا كاملا من تنوعها الاجتماعي والديني.
غير أن الاستقلال لم يكن فقط زمن الانتقام الاجتماعي، بل كان أيضا لحظة عنف جزائري–جزائري بلغت ذروتها عند تأسيس الدولة نفسها.
فقد كان جيش التحرير الوطني منظما منذ مؤتمر الصومام 1956 في ست ولايات عسكرية قادت القتال داخل البلاد، لكن عند نهاية الحرب برز ما عرف بجيش الحدود، خاصة جناحه المتمركز في المغرب في محيط وجدة، الذي ارتبط سياسيا بما سمي لاحقا “Le clan d’Oujda” بقيادة هواري بومدين وعبد الحفيظ بوصوف.
وقد كان هذا الجناح الأكثر تنظيما وقوة مقارنة بنظيره المتمركز على الحدود التونسية، ما جعله العنصر الحاسم في ميزان القوة عشية الاستقلال.
وفي صيف 1962، وبعد اتفاقيات إيفيان، تحول الخلاف السياسي إلى مواجهات مسلحة بين رفاق الأمس: اشتباكات دامية بين قوات الولايات ووحدات جيش الحدود، خاصة في مناطق من الوسط والقبائل، سقط خلالها مئات بل آلاف الضحايا بحسب التقديرات.
وانتهت تلك المواجهات بترجيح كفة جيش الحدود، حيث استولى جناح وجدة على السلطة، ليحسم بذلك مسار الدولة الناشئة.
وهكذا لم يتوقف العنف عند خروج الاستعمار، بل استمر بين من كانوا يعدون مقاومين بالأمس، لتترسخ بذلك هيمنة المؤسسة العسكرية، وتولد الدولة نفسها من رحم ذلك العنف الداخلي، حاملة بصماته في بنيتها منذ اللحظة الأولى.
منذ ذلك الحين، لم يعد “التابوت” مجرد خطر جسدي، بل صار معنى سياسيا. فالكثير ممن بقوا عاشوا في صمت وخوف وتهميش، تحت نظام مركزي شديد السيطرة. ثم بعد ثلاثين عاما، أعادت العشرية السوداء (1991-2002) فتح الجرح.
فبعد إلغاء الانتخابات في يناير 1992 دخلت البلاد حربا أهلية حصدت ما بين 150 ألفا و200 ألف قتيل، وآلاف المفقودين، ومجازر قرى كاملة. مرة أخرى، كان العنف جزائريا-جزائريا.
وهكذا ظلت معادلة 1962 تطارد التاريخ: الحقيبة أو التابوت.
الذين حملوا الحقيبة عاشوا المنفى: حركيون منبوذون في مخيمات بعد أن هجروا بلداتهم، “أقدام سوداء” بلا وطن، ويهود مشتتون.
والذين بقوا اختاروا التابوت، أحيانا حرفيا في دوامات العنف وأحيانا رمزيا تحت سطوة الخوف.
بعد أكثر من ستة عقود، ما زالت هذه المعادلة تختصر جرح الهوية الجزائرية. فقد تحررت البلاد من الاستعمار، لكنها لم تتصالح كليا مع انقساماتها الداخلية.
وبين الحقيبة والتابوت، شعر كثيرون بأنه لم تكن هناك طريق ثالثة. وربما في هذا الإحساس باللاخيار يكمن السر الأعمق لأزمة الهوية التي ما تزال الجزائر تبحث عن مخرج منها حتى اليوم.









