بنطلحة يكتب: الحرب الأمريكية-الإيرانية وانعكاساتها على المغرب

بنطلحة يكتب: الحرب الأمريكية-الإيرانية وانعكاساتها على المغرب

د. محمد بنطلحة الدكالي – مدير المركز الوطني للداراسات والابحاث حول الصحراء

منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة-إسرائيل وإيران في 28 فبراير 2026، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من الاضطراب.

وتقتضي قراءة هذه التطورات، من منظور مغربي، التمييز بين مسرح العمليات العسكرية المباشر وبين مجال التأثيرات غير المباشرة. فالمغرب، بحكم موقعه الجغرافي في غرب البحر الأبيض المتوسط وعلى الواجهة الأطلسية، بعيد جغرافيا عن بؤرة الصراع، إلا أن اندماجه في الاقتصاد العالمي يجعله معنيا بارتدادات هذه الأزمة على أسواق الطاقة والتجارة الدولية.

ويظهر التأثير الأول للحرب في أسواق الطاقة العالمية. فالخليج يمثل أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير النفط والغاز في العالم، كما يشكل مضيق هرمز ممرا استراتيجيا يمر عبره نحو خمس الإمدادات النفطية العالمية.

ومع تصاعد التوترات في المنطقة، ارتفعت المخاطر المرتبطة بالملاحة البحرية وبتأمين ناقلات النفط، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين، وانعكس بسرعة على أسعار الطاقة في الأسواق الدولية التي اقتربت من مستويات تتراوح بين 90 و110 دولارات للبرميل. وفي حال استمرار الاضطرابات في المنطقة لفترة أطول، قد تشهد الأسواق مزيدا من التقلبات في أسعار الطاقة.

وتكتسي هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، الذي يعتمد على الاستيراد لتغطية نحو 90 في المائة من احتياجاته الطاقية. ففي مثل هذه الحالات، تنتقل الصدمات الاقتصادية تدريجيا عبر الاقتصاد العالمي، ليس فقط من خلال ارتفاع أسعار النفط، بل أيضا عبر زيادة تكاليف النقل البحري والتأمين والشحن.

فاضطراب الممرات البحرية الاستراتيجية يؤدي عادة إلى ارتفاع تكاليف التجارة الدولية وإبطاء سلاسل الإمداد، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار المواد الأولية والسلع الصناعية والغذائية في الأسواق العالمية.

ولا تقتصر تداعيات هذه التطورات على قطاع الطاقة وحده، بل تمتد أيضا إلى كلفة الواردات وإلى التوازنات الاقتصادية العامة.

فارتفاع أسعار الطاقة يؤدي عادة إلى زيادة كلفة الإنتاج والنقل في العديد من القطاعات الاقتصادية، وهو ما قد ينعكس على مستويات الأسعار وعلى تكاليف الاستيراد بالنسبة إلى الاقتصادات التي تعتمد على الطاقة المستوردة.

ومع ذلك، فقد عمل المغرب، خلال السنوات الأخيرة، على تعزيز قدرته على مواجهة الصدمات الاقتصادية الخارجية.

فالاقتصاد الوطني يتوفر على احتياطات مهمة من العملة الصعبة، كما أن التوجه المتزايد نحو الطاقات المتجددة يسهم تدريجيا في تقليص الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.

وقد ساهم هذا التوجه في تنويع المزيج الطاقي الوطني وتعزيز قدرته على امتصاص جزء من التقلبات المرتبطة بأسعار الطاقة في الأسواق الدولية.

كما أن الاقتصاد المغربي يتمتع بدرجة من التنوع القطاعي، حيث لا يقتصر على قطاع واحد، بل يستند إلى مجموعة من الأنشطة الاقتصادية مثل الصناعة والفلاحة والسياحة والخدمات.

وقد ساهم هذا التنوع في تعزيز قدرة الاقتصاد على التكيف مع التقلبات الخارجية، كما ساعد في الحفاظ على قدر من الاستقرار في مواجهة الصدمات الاقتصادية العالمية.

وإلى جانب هذه التداعيات الاقتصادية، تحمل مثل هذه الأزمات أيضا أبعادا جيوسياسية أوسع، إذ يحتمل أن تحدث هذه الحرب تحولات في التوازنات الإقليمية، و تعيد ترتيب الأولويات الأمنية لدى العديد من الدول، وتعزز أهمية الشراكات الاستراتيجية القائمة على الاستقرار والتنمية. بالنسبة إلى المغرب، يعزز هذا السياق موقعه كعامل استقرار في غرب المتوسط وشمال إفريقيا، خاصة مع تعزيز الروابط مع الحلفاء التقليديين في الخليج والولايات المتحدة، مع الحفاظ على سياسة خارجية براغماتية تركز على حماية المصالح الوطنية والمساهمة في تهدئة التوترات الإقليمية.

إن الحرب الجارية في الشرق الأوسط لا تنعكس على المغرب من زاوية عسكرية مباشرة، لكنها تندرج ضمن سلسلة من التحولات التي قد تؤثر في البيئة الدولية بمختلف أبعادها.

ويظهر أثر هذه الحرب أساسا عبر تقلبات أسواق الطاقة وارتفاع تكاليف النقل البحري والتجارة الدولية، إلى جانب ما قد تفرزه من تغيرات أوسع في التوازنات الدولية.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح التحدي الأساسي بالنسبة للمغرب هو مواصلة التكيف مع التحولات التي يعرفها العالم، اقتصاديا وجيوسياسيا، وتعزيز القدرة على الصمود أمام التقلبات التي قد تطرأ على البيئة الدولية.

videossloader مشاهدة المزيد ←