مخيمات تندوف تخرق القانون الدولي عبر الاحتجاز تحت قناع اللجوء

مخيمات تندوف تخرق القانون الدولي عبر الاحتجاز تحت قناع اللجوء

د. محمد بنطلحة الدكالي – مدير المركز الوطني للدارايات والابحاث حول الصحراء

في مقال نُشر بتاريخ 25 مارس 2026 على موقع “Middle East Forum”، أعاد المحلل الأمريكي مايكل روبين، الباحث في معهد “American Enterprise Institute” والمسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية، تسليط الضوء على ملف مخيمات تندوف، فشكك في الأرقام المتداولة بشأن سكانها (40000 مقابل 173000 حسب ادعاء الجزائر)، وانتقد توسيع مفهوم “اللاجئ” خارج الإطار الذي رسمته اتفاقية جنيف لسنة 1951، وسجل وجود قيود على حرية التنقل داخل هذه المخيمات، مع الإشارة إلى ممارسات تفيد باستعمال الروابط العائلية كوسيلة ضغط غير مباشرة، عبر إبقاء بعض أفراد الأسر داخل المخيمات كضمانة لعودة من يُسمح لهم بالمغادرة المؤقتة، ليخلص إلى أن استمرار هذا الوضع الشاذ لم يعد مبررًا.

وما يعزز هذا الطرح أن مجلس الأمن نفسه واصل، في قراراته المتعاقبة، من القرار 2252 لسنة 2015 إلى القرارات اللاحقة، وصولًا إلى القرار الأحدث لسنة 2025، التشديد على ضرورة إحصاء سكان المخيمات وضبط وضعهم القانوني.

غير أن هذا المطلب، كما يُفهم في الخطاب العام، يُختزل غالبًا في كونه مجرد “تعداد للسكان”، وهذا تبسيط خاطئ من الناحية القانونية.

فالإحصاء الذي يدعو إليه مجلس الأمن، وفق معايير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ليس عملية عددية، بل إجراء قانوني فردي كامل، يهدف إلى تحديد هوية كل شخص، وأصله، وجنسيته، ومسار نزوحه، وأسباب ادعاء اللجوء لديه، وما إذا كان فعلًا يستوفي شرط “الخوف المبرر من الاضطهاد”، ثم تحديد اختياره المستقبلي: العودة، أو الإدماج، أو إعادة التوطين.

لأن اللجوء في القانون الدولي لا يُمنح لجماعة مجهولة، بل لأفراد تُثبت حالتهم بشكل دقيق.

وفي هذا السياق، يكتسي التمييز بين المقاربتين الجماعية والفردية أهمية حاسمة. فالأصل في القانون الدولي هو ما يُعرف بـ “التحديد الفردي لصفة اللاجئ” (Individual determination of refugee status)، وهو مسار قانوني إلزامي يقوم على دراسة كل حالة على حدة. وفي المقابل، يوجد استثناء محدود يُعرف بـ “الاعتراف الأولي الجماعي” (Prima facie refugee status)، ويُقصد به منح صفة اللاجئ بشكل جماعي وعلى أساس الظاهر في حالات النزوح الجماعي الكبرى. غير أن هذا الأسلوب يظل، بطبيعته، مؤقتًا، ولا يمكن أن يُعوض التحديد الفردي النهائي. ومن ثم، فإن استمرار التعامل مع ساكنة مخيمات تندوف وفق منطق جماعي دائم، دون المرور إلى التحديد الفردي، يُعد خروجًا صريحًا عن القاعدة القانونية.

انطلاقًا من هذا التوضيح، يتبين أن الوضع في تندوف لا يطرح مجرد إشكال تقني، بل يكشف خللًا بنيويًا. كما تنص المادة 1A(2) من اتفاقية جنيف لسنة 1951 على أن اللاجئ هو كل شخص يوجد خارج بلده بسبب خوف مبرر من الاضطهاد، ولا يستطيع أو لا يريد العودة بسبب ذلك الخوف، وهو تعريف يقوم على أساس فردي دقيق، لا يقبل التعميم أو الامتداد الجماعي خارج شروطه القانونية المحددة. وقد كرست المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، من خلال أدلتها الإجرائية (Handbook on Procedures and Criteria for Determining Refugee Status (1979) وRegistration Guidelines (UNHCR))، مبدأ التحديد الفردي لصفة اللاجئ، باعتباره قاعدة أساسية في نظام الحماية الدولية، حيث يتم تقييم كل حالة على حدة، وهو ما يُترجم عمليًا عبر التسجيل الفردي الذي يمكن من ضبط الهوية والوضعية القانونية لكل شخص، ولا يقبل الاكتفاء بمعالجة جماعية دائمة خارج إطارها المؤقت. هذا التعريف يقوم على شرطين حاسمين:

وجود الخوف، وتعذر العودة. غير أن الواقع في تندوف يكشف تناقضًا واضحًا مع هذين الشرطين، فباب العودة إلى المغرب ظل مفتوحًا دون انقطاع، ليس فقط أمام المدنيين، بل حتى أمام قيادات بارزة ومؤسسين في جبهة البوليساريو، عادوا واندَمَجوا داخل مؤسسات الدولة، بل وتقلدوا مناصب بالغة الأهمية داخلها. هذا المعطى يهدم، في العمق، فرضية “الخوف المانع من العودة”، ويؤكد أن الإشكال لا يتعلق بالاضطهاد، بل بغياب حرية الاختيار.

ومن هنا يظهر أول خرق قانوني صريح يتعلق بتقييد حرية التنقل. فالمادة 26 من اتفاقية 1951 تنص بوضوح على أن اللاجئ يتمتع “بحق اختيار محل إقامته والتنقل بحرية داخل إقليم الدولة المضيفة”. لكن الواقع داخل مخيمات تندوف يعكس وضعًا مغايرًا، حيث يخضع التنقل لقيود وترخيصات، وتصبح الحركة امتيازًا مشروطًا بدل أن تكون حقًا مكفولًا. ولا يتوقف الأمر عند مجرد اشتراط الإذن أو الترخيص، بل يمتد أيضًا إلى مصادرة جوازات السفر الجزائرية من حامليها الصحراويين عند دخول التراب الجزائري، مع احتجازها لفترات قد تطول قبل استرجاعها. وقد وثقت منظمات حقوقية دولية ممارسات تتعلق بمصادرة أو تقييد استعمال جوازات السفر عند دخول التراب الجزائري أو مغادرته، وهو ما يؤدي، في حالات متعددة، إلى تعطيل الحقوق المرتبطة بالتنقل والإقامة خارج البلاد. هذا المعطى لا يقتصر على حالات فردية معزولة، بل يعكس نمطًا من القيود التي تمس جوهر حرية التنقل، وتؤثر بشكل مباشر على الوضع القانوني والاجتماعي للأشخاص المعنيين. كما أوصت الجهات الحقوقية بتمكين سكان المخيمات من الحصول على وثائق سفرهم واستعمالها دون عرقلة. وعندما تُقيد حرية الحركة بهذه الصورة، وتتحول الوثيقة نفسها إلى أداة للضبط والتحكم، فإننا لا نكون أمام نظام حماية، بل أمام وضع يرتقي، في آثاره القانونية والعملية، إلى الاحتجاز الفعلي. ولا تقف هذه القيود عند حدود التنظيم الإداري، بل تمتد لتؤسس لآليات ضغط غير مباشرة تمس حرية القرار الفردي، وتجعل من مغادرة المخيم مخاطرة ذات كلفة إنسانية واجتماعية، بما يعمق الطابع القسري للوضع القائم.

الخرق الثاني يمس جوهر الصفة القانونية ذاتها، ويتمثل في غياب التسجيل الفردي. وقد أكدت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ضرورة أن يتم تسجيل اللاجئين على أساس فردي، وهو ما أعاد مجلس الأمن التأكيد عليه في قراراته، من القرار 2252 لسنة 2015 إلى القرار 2602 لسنة 2021، والقرار 2756 لسنة 2024، ثم القرار الأحدث لسنة 2025. ومع ذلك، لا يوجد إلى اليوم إحصاء فردي شامل وشفاف لسكان مخيمات تندوف. وهذا يعني، عمليًا، أن الهوية القانونية للسكان غير مثبتة، وأن صفة “اللاجئ” لم تُحدد وفق المسار الفردي الإلزامي، بل يتم التعامل معها وفق منطق جماعي ممتد خارج حدوده القانونية المؤقتة.

وتزداد الصورة وضوحًا حين ننتقل إلى معطيات التدبير اليومي لهذه المخيمات. فهذه الساكنة تُعامل فعليًا كلاجئين، وتستفيد من منظومة دعم دولية كاملة، فهي خاضعة لبرامج المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وتستفيد من مساعدات برنامج الغذاء العالمي، وتُمول عمليات الإغاثة بملايين اليوروهات سنويًا من جهات مانحة، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي. وفي تقييم الوضع الإنساني، تثار تساؤلات جدية حول دقة الأرقام المعلنة بشأن عدد سكان مخيمات تندوف، مع وجود مؤشرات قوية على تضخيمها، وهو ما لا يظل مجرد إشكال إحصائي، بل يمتد ليطرح مسألة قانونية حقيقية، نظرًا لانعكاسه المباشر على حجم المساعدات الإنسانية وتدبيرها، وعلى مبدأ الشفافية الذي يُفترض أن يؤطر نظام الحماية الدولية.

وهنا تتضح مفارقة أساسية، إذ تُمنح امتيازات صفة “اللاجئ” بشكل كامل، في حين لا تُستكمل شروطها القانونية كما يقتضيها الإطار المنظم لها. فالقانون لا يقر بكيانات جماعية مبهمة، بل يقوم على تحديد فردي دقيق للهوية والوضعية.

ولا يقتصر الغموض على العدد، بل يمتد إلى الهوية والجنسية. ففي غياب تسجيل فردي، ومع وجود معطيات تشير إلى أن عددًا كبيرًا من الأشخاص ضمن هذه الساكنة ينتمون إلى جنسيات أخرى، يصبح تحديد من هو “اللاجئ” فعلًا مسألة غير محسومة. وحين تغيب المعايير الدقيقة، يفقد النظام بأكمله أساسه القانوني، ويتحول إلى وضع قائم على الافتراض لا على الإثبات.

الخرق الثالث يتعلق بمسؤولية الجزائر كدولة مضيفة. فالمادة 35 من اتفاقية 1951 تلزم الدول بالتعاون مع المفوضية وتمكينها من مراقبة تطبيق الاتفاقية، كما تنص المادة 34 على التزام الدول بتسهيل اندماج اللاجئين وتجنيسهم “بقدر الإمكان”. غير أن الواقع القائم في تندوف يسير في اتجاه مغاير تمامًا، حيث يغيب التسجيل الفردي، ولا تتوافر آليات إدماج أو تجنيس، في ظل إسناد تدبير المخيمات فعليًا إلى جبهة البوليساريو. وهذا لا يعفي الجزائر من المسؤولية، لأن القانون الدولي يقر بمبدأ مسؤولية الدولة عن الأفعال الواقعة داخل إقليمها، كما كرسته قواعد المسؤولية الدولية للدول، ولا يمكنها نقل هذه المسؤولية إلى طرف غير حكومي.

ولا بد من التذكير هنا بمبدأ أساسي في القانون الدولي للاجئين: صفة اللاجئ ليست وضعًا دائمًا، بل حالة مؤقتة بطبيعتها. فالنظام الدولي للحماية يقوم على ما يُعرف بـ “الحلول الدائمة الثلاث” (Durable Solutions): العودة الطوعية (Voluntary Repatriation)، أو الإدماج المحلي (Local Integration)، أو إعادة التوطين (Resettlement). غير أن ما يحدث في مخيمات تندوف يخرج عن هذا المنطق، حيث تحولت حالة يُفترض أنها انتقالية إلى وضع دائم امتد لعقود، دون تفعيل فعلي لهذه الحلول.

وفي موازاة ذلك، تستمر هذه المخيمات في استقطاب تدفقات مالية كبيرة، تُقدر بملايين اليوروهات سنويًا، سواء عبر الاتحاد الأوروبي أو عبر برامج الأمم المتحدة. هذه الموارد، التي يُفترض أن تُوظف في إطار حماية مؤقتة وفي أفق حلول دائمة، أصبحت تُصرف في سياق وضع جامد، قائم على الإبقاء على الساكنة في حالة اعتماد شبه كلي على المساعدات.

ثم هناك بُعد آخر يكشف طبيعة هذا الوضع، وهو تحويل المساعدات الإنسانية. وقد كشفت تقارير صادرة عن المكتب الأوروبي لمكافحة الغش (OLAF)، في تحقيق أُنجز سنة 2007، وتم تأكيد خلاصاته لاحقًا داخل البرلمان الأوروبي سنة 2015، عن وجود نظام لتحويل جزء من المساعدات الإنسانية الموجهة إلى مخيمات تندوف، في سياق يرتبط أساسًا بغياب الإحصاء الدقيق للسكان، وهو ما يفتح المجال أمام اختلالات بنيوية في تدبير هذه الموارد.

كما يثير وضع القاصرين داخل هذه المخيمات إشكالًا حقوقيًا خطيرًا، في ظل معطيات متواترة تشير إلى إخضاع الأطفال والمراهقين لأنشطة ذات طابع عسكري داخل محيط المخيمات. مثل هذه الممارسات تتعارض مع الالتزامات الدولية، لاسيما البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل لسنة 2000، الذي يحظر إشراك الأطفال في الأنشطة العسكرية، وتطرح انحرافًا واضحًا عن الوظيفة الأصلية لمخيمات اللاجئين بوصفها فضاءات للحماية والرعاية، لا مجالات للتأطير ذي الطابع العسكري.

تفضي هذه العناصر مجتمعة إلى خلاصة واضحة، مفادها أن الوضع القائم في مخيمات تندوف لا ينسجم مع الشروط القانونية التي يقوم عليها نظام اللجوء الدولي كما كرستها اتفاقية 1951. وفي ظل غياب أي إحصاء فردي دقيق، وعدم الانتقال من وضع الاعتراف الجماعي المؤقت إلى مسار التحديد القانوني الفردي، مع ما يرافق ذلك من قصور في ضمان الحقوق الأساسية، يتكرس وضع شاذ يستند إلى منطق الاستثناء بدل الاندراج ضمن القواعد القانونية المنظمة.

نكون، تبعًا لذلك، أمام وضع لا لبس فيه، حيث تظل إمكانية العودة إلى المغرب متاحة بشكل فعلي، ويجد مسار الإدماج ترجمة له في الواقع من خلال من عادوا وانخرطوا في مؤسسات الدولة. في المقابل، يستمر إبقاء ساكنة بأكملها داخل مخيمات مغلقة، في حالة اعتماد شبه كامل على المساعدات، دون تسوية قانونية دقيقة لوضعها على أساس فردي.

وفي ضوء هذه المعطيات، تتحدد المسؤولية القانونية للجزائر بشكل مباشر وواضح، باعتبارها الدولة التي تمارس سيادتها على الإقليم الذي توجد فيه هذه المخيمات. فبموجب اتفاقية جنيف لسنة 1951، ولا سيما المادة 26 المتعلقة بحرية التنقل، والمادة 35 التي تلزم الدولة بالتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، إلى جانب المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تحظر الاحتجاز التعسفي، تظل الجزائر ملزمة بضمان تمتع الأشخاص المعنيين بكامل حقوقهم. غير أن استمرار وضع يتسم بتقييد الحركة وغياب التحديد الفردي للوضعية القانونية، مع إسناد تدبير المخيمات إلى تنظيم مسلح، يشكل خرقًا صريحًا لهذه الالتزامات، ولا يمكن تبريره. فالقانون الدولي لا يجيز التنصل من المسؤولية عبر تفويضها، ولا يقبل بإقامة وضعيات استثنائية خارج إطاره، وهو ما يجعل هذا الوضع يرتقي، في طبيعته وآثاره، إلى احتجاز جماعي مقنع تتحمل الجزائر تبعاته القانونية كاملة، ويعرضها للمساءلة بموجب قواعد القانون الدولي.

videossloader مشاهدة المزيد ←