التحكيم المغربي يراهن على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتقليص الأخطاء

التحكيم المغربي يراهن على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتقليص الأخطاء

نظمت المديرية التقنية الوطنية للتحكيم لقاء تواصليا بمركب محمد السادس لكرة القدم بضواحي المعمورة، يوم الخميس 7 ماي، لتسليط الضوء على المستجدات المرتبطة بتطوير منظومة التحكيم الوطني، خاصة ما يتعلق بالتقنيات الحديثة المعتمدة في اتخاذ القرارات، وعلى رأسها تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR).

وتم خلال هذا اللقاء، الذي ترأسه رضوان جيد، الحكم الدولي السابق ومدير المديرية التقنية للتحكيم، تقديم شروحات عملية ومحاكاة حول كيفية استخدام تقنية “الفار”، وآليات التدخل في الحالات التحكيمية المختلفة، ومدى مساهمتها في الرفع من دقة القرارات.

ولم يكن اللقاء التواصلي مجرد عرض تقني أو ما يشبه استعراض حصيلة التحكيم الوطني، بل جاء أقرب إلى محاولة شرح “العقل الداخلي” الذي تشتغل به منظومة التحكيم الوطنية حاليا.

وقدم جيد شروحات مفصلة حول كيفية استخدام تقنية “الفار”، وآليات تدخلها في الحالات التحكيمية المختلفة، مع تنظيم محاكاة مباشرة لبعض اللقطات المثيرة للجدل، بهدف تقريب الصورة من الحاضرين، وإظهار الكيفية التي يتم بها اتخاذ القرار بين الحكم الرئيسي وغرفة الفيديو.

الرسالة الأساسية التي حاولت المديرية إيصالها، هي أن التحكيم المغربي لم يعد يشتغل فقط بمنطق التقدير البشري المباشر، بل أصبح يعتمد على أدوات رقمية ومنصات تحليل متطورة، تسعى إلى تقليص هامش الخطأ إلى أدنى حد ممكن.

ومن أبرز النقاط التي تم استعراضها خلال هذا اللقاء، اعتماد مديرية التحكيم على منصة “ريفبال”، وهي منظومة رقمية متخصصة في تقييم أداء الحكام بشكل علمي ودقيق.

المنصة لا تكتفي فقط بتسجيل المعطيات، بل تقوم بتنقيط الحكام بعد كل جولة، اعتمادا على مجموعة من المؤشرات المرتبطة بجودة القرارات، والجاهزية البدنية، والتعامل مع المباريات، ومدى دقة التدخلات التحكيمية.

وبحسب المعطيات التي قدمها رضوان جيد، فإن العمل بهذه المنصة ساهم بشكل واضح في تقليص أخطاء الحكام مقارنة بالموسم الماضي، خاصة في الحالات المتعلقة بإشهار البطاقات الحمراء واحتساب ضربات الجزاء والتسللات.

وشدد على أن الأمر هنا لا يتعلق فقط بالتكنولوجيا كوسيلة للمراقبة، بل أيضا كأداة لبناء قاعدة بيانات دقيقة حول كل حكم، تسمح بتقييم مستواه وتطوره بشكل مستمر.

واحدة من أكثر النقاط إثارة للاهتمام خلال اللقاء، كانت مرتبطة بطريقة تعيين الحكام، التي أصبحت تتم بشكل نصف أوتوماتيكي.

فالمنصة الإلكترونية المعتمدة تقوم بتقديم اقتراحات للحكام الأنسب لكل مباراة، بناء على معايير متعددة، من بينها خصوصية المواجهة، والجاهزية البدنية والذهنية للحكام، وتجاربهم السابقة، إلى جانب طبيعة المنافسة نفسها.

وتشمل هذه المنظومة مباريات الذكور والإناث، سواء في كرة القدم أو الفوتسال أو الكرة الشاطئية، حيث تقدم المنصة أسماء الحكام الأكثر جاهزية لكل مباراة، قبل أن تتدخل المديرية التقنية لتثبيت الاختيار أو مراجعته.

هذا التحول يعكس، حسب المتدخلين، محاولة واضحة لإبعاد التعيينات عن الطابع المزاجي أو الشخصي، وربطها أكثر بالمعطيات الرقمية والمؤشرات الموضوعية.

تقنية “الفار” كانت في قلب النقاش، خاصة في ظل الجدل المتكرر الذي يرافق بعض الحالات التحكيمية داخل البطولة الاحترافية الأولى.

وفي هذا السياق، أوضح فريدي فوتريل، الحكم الفرنسي السابق والمسؤول عن تقنية “الفار” داخل المديرية الوطنية للتحكيم، أن المغرب كان من أوائل البلدان الإفريقية التي اعتمدت هذه التقنية، مؤكدا أن مستوى الاشتغال يتطور تدريجيا رغم بعض الإكراهات المرتبطة بالبنية التحتية لبعض الملاعب.

وشدد فوتريل على أن “الفار” لا يعوض الحكم، بل يساعده فقط، مذكرا بأن الأصل يبقى هو اتخاذ القرار داخل أرضية الملعب، على أن تتدخل غرفة الفيديو فقط في الحالات المرتبطة بالأهداف وضربات الجزاء والبطاقات الحمراء أو أخطاء تحديد هوية اللاعبين.

كما كشف المسؤول الفرنسي عن تفاصيل دقيقة مرتبطة بطريقة التعامل مع حالات التسلل، موضحا أن بعض الحالات يتم تأخير الإعلان عنها للسماح لغرفة “الفار” بتقييم اللقطة، حتى لا يتم إيقاف فرصة سانحة بشكل غير سليم، بينما يتم الحسم بسرعة في الحالات الواضحة لتفادي مضاعفات أخرى في حالة ترك اللعب مفتوحا، مثل الإصابات المجانية.

وواحدة من أكثر النقاط التقنية التي أثارت الانتباه، كانت مرتبطة باعتماد تقنية “التسلل نصف الأوتوماتيكي” SAOT، التي تشتغل بمائة “فريم” في الثانية، وتوفر 25 صورة لكل لقطة خلال الثانية الواحدة.

هذا المستوى من الدقة يسمح بتحديد موقع اللاعبين بشكل أكثر وضوحا، اعتمادا على ثلاث تقنيات مختلفة، تشمل الخط ثنائي الأبعاد، وتقنية الإسقاط الأرضي، ثم نظام التثليت الذي يقوم على تنسيق جميع الكاميرات لاختيار اللحظة الدقيقة للحالة.

ولم يقتصر اللقاء فقط على الشروحات النظرية، بل انتهى بمحاكاة مباشرة لحالات تحكيمية مثيرة للجدل، من بينها إحدى اللقطات المرتبطة بمباراة الجيش الملكي والرجاء الرياضي، والتي استغرقت أكثر من ثلاث دقائق من المراجعة أمام أعين الحاضرين في قاعة الندوات بمركب محمد السادس.

وخلال هذه المحاكاة، تم استعراض طريقة اشتغال غرفة “الفار”، بالاعتماد على عدة شاشات تعرض اللقطات بزوايا مختلفة، من بينها كاميرات “الزوم”، وكاميرات التسلل، إلى جانب شاشات تعرض البث المباشر وأخرى تبث اللقطة متأخرة بثلاث ثوان، لمنح الحكام إمكانية تحليل مختلف تفاصيل الحالة.

هذه التفاصيل أظهرت أن القرار التحكيمي الحديث لم يعد لحظة فردية معزولة، بل نتيجة عملية تقنية معقدة، تتداخل فيها السرعة والدقة والتواصل بين عدة أطراف.

videossloader مشاهدة المزيد ←