الإشكالات العملية المرتبطة بحماية حرية السوق في صلب نقاشات ندوة دولية بمراكش

الإشكالات العملية المرتبطة بحماية حرية السوق في صلب نقاشات ندوة دولية بمراكش

دعا المشاركون في ندوة دولية نظمت، نهاية الأسبوع الماضي، بكلية الحقوق بمراكش، حول موضوع “القانون المقارن للمنافسة: نماذج اقتصادية وتنظيمات متقاطعة”، إلى تعزيز التكامل الوظيفي بين مجلس المنافسة والقضاء، بما يضمن انسجام التفسير القانوني لقواعد المنافسة، ويحد من إمكانية تباين التقدير بين القرار الإداري والحكم القضائي، ويكرس الأمن القانوني بالنسبة إلى الفاعلين الاقتصاديين.

وأكد المشاركون في هذه الندوة الدولية، التي نظمها مختبر الدراسات القانونية المدنية والعقارية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة القاضي عياض، بشراكة مع مجلس المنافسة والفدرالية المغربية لحقوق المستهلك، أن تطوير قانون المنافسة في المغرب يقتضي مواصلة تحديث الإطار القانوني والمؤسساتي، بما يحقق التوازن بين حرية المبادرة الاقتصادية، ومتطلبات الضبط، واعتبارات العدالة الاقتصادية والاجتماعية.

وحث المشاركون على ضرورة تقوية فعالية الدعوى المدنية في مادة المنافسة، من خلال توفير إطار أوضح لعلاقة القاضي المدني بقرارات مجلس المنافسة، بما يجعل التعويض عن الأضرار الناجمة عن الممارسات المنافية للمنافسة آلية عملية ومؤثرة في تكريس الردع وحماية المتضررين.

وأوصى المشاركون بتطوير آليات جبر الأضرار الجماعية والمنتشرة الناجمة عن الممارسات المنافية للمنافسة، لاسيما تلك التي تصيب المستهلكين في مجموعهم، مع تمكين جمعيات حماية المستهلك من الاضطلاع بدور أكثر فعالية في هذا المجال.  

وأكد المشاركون على أهمية ترسيخ الدور التنظيمي للقاضي المدني، ليس فقط بوصفه جهة للتعويض عن الضرر، ولكن أيضا باعتباره فاعلا يسهم، من خلال المسؤولية المدنية وإبطال الشروط والممارسات غير المشروعة، في تقويم السلوك الاقتصادي وترسيخ الانضباط داخل السوق.

وشددوا على ضرورة تشديد الرقابة على الممارسات الإستراتيجية العدوانية للمقاولات، متى تحولت من أدوات مشروعة للتنافس إلى وسائل للإقصاء أو الإضرار بالمنافسين أو عرقلة الولوج إلى السوق، بما في ذلك الاستعمال التعسفي لبعض الوسائل القانونية أو الاقتصادية.

وأجمع المشاركون على أن حماية المنافسة ترتبط ارتباطاً وثيقا بحماية المستهلك والقدرة الشرائية، لأن صون التعددية داخل السوق ومحاصرة الممارسات المنافية للمنافسة من شأنه أن ينعكس إيجابا على الأسعار، وجودة الخدمات، وتوسيع هامش الاختيار أمام المستهلك.

ودعا المشاركون إلى نشر ثقافة الامتثال لقواعد المنافسة داخل المقاولات، بما يجعل احترام القانون جزءا من الحكامة الجيدة والتدبير الاستباقي للمخاطر، ويحد من النزاعات ومن الانحرافات التي تمس بسلامة السوق

وتضمنت باقي التوصيات، التي خلصت إليها هذه الندوة الدولية، التأكيد على تدعيم الخبرة القضائية في منازعات المنافسة، وتمكين القضاة من الاستعانة المنتظمة بالرأي الفني والخبرة الاقتصادية والمؤسسات المتخصصة، بالنظر إلى الطابع التقني والدقيق لهذا النوع من المنازعات، وتعزيز حضور الدولة ومؤسسات الضبط في حماية المنافسة، باعتبار أن السوق لا يستطيع، في جميع الأحوال، أن يحقق توازنه تلقائيا، وأن التدخل التنظيمي يظل ضرورياً لضمان الشفافية والإنصاف وحماية النظام التنافسي.

وأكدت مختلف المداخلات والنقاشات العلمية، على الأهمية المتزايدة لقانون المنافسة كآلية لضمان التوازن الاقتصادي وتحقيق العدالة في السوق، وضرورة تعزيز استقلالية وفعالية سلطات المنافسة ومنحها الوسائل القانونية والتقنية اللازمة، وأهمية التعاون الدولي وتبادل الخبرات بين الدول والمؤسسات الأكاديمية والرقابية.

وخلصت نقاشات المتدخلين إلى إبراز الحاجة إلى تطوير التشريعات الوطنية بما يواكب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية، وبروز تحديات جديدة مرتبطة بالمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي وهيمنة الشركات الكبرى على الأسواق.

وتمحورت أشغال هذا الملتقى الدولي، حول مجموعة من المواضيع البالغة الأهمية، والتي جرى تقسيمها إلى عدة محاور همت على الخصوص “الأسس النظرية والتاريخية لقانون المنافسة” و”مقارنة التشريعات الوطنية والدولية في مجال حماية المنافسة” و”الممارسات الاحتكارية والاتفاقات المنافية للمنافسة” و”دور هيئات المنافسة في الرقابة والزجر” و”الرقمنة والاقتصاد الرقمي وتحديات المنافسة في الأسواق الرقمية” و”حماية المستهلك وعلاقته بقواعد المنافسة” و”أثر قانون المنافسة على الاستثمار والتنمية الاقتصادية“.

وشكلت هذه الندوة الدولية، التي تميزت بمشاركة نخبة من الأساتذة الجامعيين، والخبراء، والباحثين، والممارسين من مختلف المؤسسات الأكاديمية والمهنية، مناسبة علمية متميزة لتسليط الضوء على التطورات الحديثة التي يعرفها قانون المنافسة في الأنظمة القانونية المقارنة، ومناقشة الإشكالات العملية المرتبطة بحماية حرية السوق، ومكافحة الممارسات المنافية لقواعد المنافسة، وتعزيز دور السلطات المختصة في ضمان الشفافية والنزاهة الاقتصادية.

videossloader مشاهدة المزيد ←