بنطلحة يكتب: المؤامرة.. مرض جزائري

بنطلحة يكتب: المؤامرة.. مرض جزائري

د. محمد بنطلحة الدكالي – استاذ جامعي

في التعريف الأكاديمي، توصف نظرية المؤامرة بأنها نمط تفكير يرجع الظواهر المعقدة إلى فعل فاعلين خفيين، منسقين، ذوي نوايا شريرة، يعملون في الظل ويتحكمون في النتائج، مع إلغاء كامل لأي احتمال آخر: الخطأ الذاتي، الضعف البنيوي، التفاوت في الكفاءة، أو حتى سوء الحظ. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في خطأ هذا التفسير، بل في تحوله إلى تفسير شامل مانع، تفسير لا يجادل، لا يناقش، ولا يفند، لأن كل محاولة للتفنيد تدرج فورا ضمن قائمة «الأدلة على المؤامرة».

وحين تتكفل وسائل الإعلام بتكرار هذا النمط التفسيري صباحا ومساء بلغة يقينية لا تعرف التردد، فإن نظرية المؤامرة تتوقف عن كونها رأيا، وتتحول إلى بيئة إدراكية كاملة (Cognitive environment)؛ بيئة تلغى فيها المسافة بين التحليل والانفعال، بين المعطى والاتهام، بين الوقائع والتخمين. في هذه البيئة لا يعود المواطن مدعوا للفهم بل للارتياب الدائم، ولا يطلب منه التفكير، بل الاصطفاف النفسي، ويصبح الشك الدائم فضيلة، واليقين السريع علامة وعي.

ولعل أوضح تجليات هذه الذهنية تظهر خارج السياسة، في مجال يفترض أنه الأكثر براءة ووضوحا: الرياضة.

فبعد إقصاء المنتخب الجزائري في إطار كأس العالم، خرج منتخب الجزائر بهزيمة ثقيلة، صريحة، لا لبس فيها.

هزيمة شاهدها الملايين على الشاشات، وقرأها الجميع في تفاصيل المباراة: فريق متهالك، دفاع منهار، وسط غائب، ولياقة منهكة، وأخطاء لا تحتاج إلى خبير لإدراكها. كانت الخسارة مكتملة الأركان، فنية وتكتيكية ونفسية.

غير أن ما حدث بعد صافرة النهاية كان أكثر إثارة من المباراة نفسها؛ إذ تحركت آلة التفسير فورا، لا للبحث في أسباب الإخفاق، بل لصناعة رواية بديلة مريحة: أياد خفية في الكواليس (lobbying)، حكام فاسدون، عدو يتحكم في كل شيء، ومخطط محكم أعد بعناية لإقصاء «الضحية البريئة». الإعلام كله دخل في هذا السباق التفسيري، لا ليشرح ما وقع، بل ليثبت أن ما وقع لم يقع أصلا كما رأيناه.

الأكثر سخرية أن هذه الرواية لم تقتصر على الاستوديوهات، بل نزلت إلى المدرجات والشارع، حيث شوهد مشجعون يلوحون بكلام لايشبه الكلام..! وكأن التلويح بالهلوسات كاف لإلغاء ضعف الدفاع، وبطء الارتداد، وسوء التمركز، وكأن المؤامرة هي من سجلت الأهداف وليس ميسي اللاعب الأسطورة، وكأن الكواليس هي التي لعبت المباراة.

هنا لا نكون أمام احتجاج عاطفي عابر، بل أمام تطابق كامل بين خطاب الإعلام وخيال الجمهور (Narrative alignment)، تطابق يكشف أن نظرية المؤامرة لم تعد رد فعل، بل أصبحت نقطة انطلاق وقالبا جاهزا يسكب فيه أي فشل، مهما كان واضحا، ومهما كانت أسبابه مرئية بالعين المجردة. الهزيمة لا تتم مراجعتها، بل تنفى. والواقع لا يحلل، بل يعاد اختراعه بما يناسب الكرامة الجريحة.

المفارقة أن هذا النمط من التفكير يمنح أصحابه شعورا زائفا بالتفوق الأخلاقي (Moral superiority illusion): نحن لم نخسر لأننا ضعفاء، بل لأننا مستهدفون، ولسنا متأخرين، بل محاصرون، ولسنا عاجزين، بل ضحايا نظام عالمي لا يحتمل «تفوقنا». إنه عزاء نفسي جماعي، لكنه عزاء مدمر، لأنه يعفي من السؤال الوحيد الذي يستحق أن يطرح: في ماذا أخطأنا؟

في النهاية، حين تتحول نظرية المؤامرة إلى ثقافة عامة (Conspiracy mindset)، فإنها لا تفسر العالم، بل تعفي من مواجهته، لا تحمي الوعي، بل تخدره، ولا تكشف الخلل، بل تجمله بسردية بطولية زائفة. أخطر ما في هذه النظرية ليس أنها زائفة، بل أنها تلقى تقبلا من طرف البسطاء، لأنها تقدم جوابا واحدا، بسيطا ومريحا لعالم معقد، ولحقيقة موجعة، ولخسارة لا يريد أحد أن يعترف بأنها كانت مستحقة.

وما يبدو في الظاهر تبريرا رياضيا عابرا، يخفي في العمق مؤشرا أخطر: انهيار بلد بكامله وإفلاس على مستويات متعددة، فكرية ومؤسساتية وأخلاقية، حيث يصبح العجز عن الاعتراف بالخطأ أسلوب حياة، ويغدو اختلاق المؤامرة بديلا عن المحاسبة، وعن النقد، وعن الإصلاح.

قدر الشعب الجزائري الشقيق أن يعيش تحت وطأة التوظيف السياسوي لنظرية المؤامرة، حيث أصبحت تلاحقهم في كل مكان، لاتخلو منها وسائل الإعلام وفي نقاشات وخطابات الساسة وحتى في أحاديث البسطاء من المواطنين.

فكل الأعطاب السياسية والاقتصادية والاجتماعية يجري تطويعها لكي تتسق مع التفسير التآمري، دون الاستناد على أدلة ملموسة، بل إنه في بعض الأحيان يتم التناقض تماما مع المنطق والعقل السليم، وذلك بغية التهرب من المسؤولية نتيجة ممارسات خاطئة من جانب الحكام الذين عاثوا في الأرض فسادا.

هكذا يلقون بالتهمة على أطراف خارجية بدعوى التآمر. إن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تضرب البلاد مؤامرة خارجية هدفها تركيع الجزائر العظمى وغلاء السلع وندرة المواد الاستهلاكية مردها إلى مؤامرة خارجية والطوابير تحريض أجنبي يحاك ضد القوة الضاربة، أما الحراك الشعبي فيصوره إعلامهم على أنه مؤامرة تم تدبيرها..! وكذا الحال بالانتخابات التشريعية التي جرت مؤخرا بالجزائر، والتي لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 21%، والتي قاطعها شعب القبائل بوعي مسؤول.

لتبرير هذا الفشل الانتخابي،أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية القبض على مجموعة إجرامية متكونة من ستة أشخاص ينتمون إلى حركة «ماك» (حركة استقلال منطقة القبائل) أربعة منهم مغاربة، يقيمون بصفة غير قانونية،كان غرضهم التشويش على الانتخابات التشريعية ومنع المواطنين من المشاركة فيها…! وأضاف بلاغ وزارة الدفاع الجزائرية الكاريكاتوري الذي يدعو للشفقة:« أن هذه العملية تعكس مدى يقظة مختلف المصالح الأمنية وقدرتها على إحباط المخططات.. ».

للأسف في بلاد النظام العسكري الجزائري، لم يعد السؤال: ماذا حدث؟بل: من تآمر؟ ومن حرك الخيوط في الظل؟ وكأن الواقع لايملك الحق في أن يكون بسبطا أو قاسيا أو فاضحا إلى هذا الحد..!

إن نظرية المؤامرة هي عبارة عن مسكنات ومهدئات ذات مفعول لحظي لجسد أتعبه التخدير والوخز، وإذا لم يتدارك الأمر فإنه على أعتاب الانهيار التام لامحالة. لقد سبق للكاتب الجزائري نجيب بلحيمرأن تساءل حول هذا الوضع قائلا: «إقناع الجزائريين بأن كل مايرونه من سوء تسيير هو فعل أطراف، سيكرس الاعتقاد باستحالة القضاء على تلك الأطراف الخفية، بل إن نظرية المؤامرة توحي بقوة خارقة لتلك الأطراف، تصبح معها كل مؤسسات الدولة عاجزة وفاشلة، وليس في العالم سلطة تريد أن ترسم البلد الذي تحكمه هذه الصورة المخيفة.. أفلا تبصرون..!؟».

videossloader مشاهدة المزيد ←